نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٠ - قيمتها العلميّة
ففي ظل هذا الحكم العقلي الّذي يعبّر عنه بتعابير مختلفة، يحكم العقل بسريان الحكم إلى جميع الأفراد في جميع الأزمنة.
نعم، لا يمكن إسراء الحكم إلى الموضوع الّذي يختلف مع مورد التجربة اختلافاً جزئياً، فضلاً عن الاختلاف الفاحش، فلو كنّا أجرينا التجربة على حديد خاص من حيث التركيب، كالحديد المطاوع، فلا يمكن إسراء هذا الحكم على الحديد الّذي يغايره فيه، كالفولاذ.
هذا هو الأساس لانتزاع العلماء قوانين كليّة عامة من التجربة.
ولنضرب مثالاً آخر: لو أجرى عالماً كيميائياً تجربة على عقار خاص فوجده ناجعاً في معالجة الصداع، الناشئ من عوامل معينة، ومؤثراً في أفراد معينين من الناس إذا أُعطي بمقدار معين. ثم كرر التجربة مرّات عديدة وفي ظروف مختلفة على الصداع الّذي له تلك الخصوصيات، فوجده مؤثّراً في جميعها، يقطع بالنتيجة الّتي توصّل إليها، وبعموميتها لجميع الحالات المماثلة، وما ذلك إلاّ لأنّ الحكم بالتخصيص ورفض العموم يستلزم تفسير الخصوصية بطريق غير ممكن .
وتلك النتيجة لا تَصْدُق، وذلك العقار لا ينجع في معالجة الصداع الناشئ من عوامل أُخرى، أو في أفراد مختلفين في الأمزجة، أو إذا أُعطي بمقادير أقلّ أو أكثر، ففي هذه الموارد لا يمكن الحكم بعمومية العلاج وسريانه.
وبذلك يعلم الفرق الجوهري بين الاستقراء والتجربة، فالمستقرئ لا يجري عملية خاصة سوى المشاهدة، ولا يستنبط علّة الحكم أبداً، وليس له دافع إلى إسراء الحكم إلاّ المشابهة. وهذا بخلاف المجرّب، فإنّه يتسلّط على علّة الحكم ومناطه بحكم البرهان والعقل، ويقف على أنّ علّة الخصوصية (التمدّد بمقدار معين والبرء) ليس إلاّ نوعاً معيناً من الحديد في حرارة خاصّة، أو تأثير العقار في الداء والمزاج المُعَيَّنَينْ، وبالمقدار المحدّد، وبعد ذلك يستعدّ العقل لانتزاع حكم كلّي هو أنّ كل حديد من التركيب الفلاني، ينبسط بمقدار كذا عند حرارة كذا، وهذا العقار ناجع في إبراء كل صداع ناشئ من العوامل الفلانية، في المزاج الفلاني وبالمقدار الفلاني. ولولا التسلّط على المناط والإحاطة بالعلّة، لما قدر العقل على إسراء الحكم وتوسعته.