نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٦ - العقل الباطن في الكتاب والسنّة
يقول سبحانه: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[١].
يقول العلامة محمد حسين الطباطبائي (١٣٢١ ـ ١٤٠٢ هـ): الجهر بالقول، رفعُ الصوت به. والإسرار خلافه. قال تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ)[٢]. و «أخفى»: أَفْعَل التفضيل من الخفاء، وذِكْر الجهر بالقول في الآية أولاً، ثم إثبات العلم بما هو أدقّ منه، وهو السرّ، والترقّي إلى أخفى، يدلّ على أنّ المراد إثبات العلم بالجميع، والمعنى: وإن جهرت بقولك وأعلنت ما تريده، أو أسررته في نفسك وكتمته، لا بل كان أخفى من ذلك، بأن كان خفياً حتّى عليك نفسك، فإن الله يعلمه.[٣]
فالآية تدلّ على أنّ هناك أشياء في الضمير الإنساني، مكتومة على الإنسان نفسه، لأنّها ليست في عقله الواعي، بل في عقله الباطن الّذي لا تتجلى سرائره وخفاياه إلاّ في حالات خاصة كما ذكرنا.
وروى الصدوق في معاني الأخبار عن محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد الله (الإمام الصادق) ـ عليه السَّلام ـ عن قول الله عزّوجلّ: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)، قال: «السرّ ما أكننته في نفسك، و «أخفى»: ماخطر ببالك ثم انسيته».[٤]
وقال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في إشارة واضحة إلى العقل الباطن الّذي يختفي عند سيادة العقل الواعي، ثم يظهر على حين غرّة عند كبوته أو خضوعه للمؤثرات النفسية القوية: «ما أَضْمَرَ أحدٌ شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه»[٥].
وقال ـ عليه السَّلام ـ في الدعاء الّذي علّمه لكميل بن زياد النخعي: «إلهي
[١] طه: ٧ .
[٢] المُلْك: ١٣ .
[٣] الميزان في تفسير القرآن: ١٤ / ١٣٢ .
[٤] معاني الأخبار: ١ / الباب ٨٢، ص ١٤٣، الحديث الأوّل. ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن السيدين الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ : ٤ / ٣ .
[٥] نهج البلاغة، قصار الحكم، الرقم ٢٦ .