نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢ - الجهة الأُولى ـ التعريف لا يشمل العلم الحضوري
وأمّا العلم الحضوري فهو عبارة عن كون المعلوم حاضراً لدى النفس من دون توسّط شيء. وهو على هذا، يعتمد على ركنين فقط:
١. الإنسان المدرِك (بالكسر).
٢. المدرَك للنفس بلا واسطة.
والعلم الحضوري على قسمين: أولهما ما يكون المدرِك فيه مغايراً للمدرَك. كما في العلم بالصور الذهنية الحاصلة في النفس من اتّصالها بالخارج عن طريق الحواس الظاهرية. فإنّ هذه الصور ـ مع قطع النظر عن كونها حاكية عن الخارج ـ معلومة للنفس بلا توسط شيء، بل تنالها النفس ابتداءً وبالذات.
نعم، لو نظرنا إلى هذه الصور بما أنّها كاشفة عن الخارج، يتحقق هناك علم حصولي لكن لا بالنسبة إلى الحاكي، بل بالنسبة إلى المحكي.
وبذلك يظهر أنّه كلما تحقق علم حصولي تحقق علم حضوري أيضاً، فعلم النفس بنفس الصور، حضوريٌ، وبالخارج الّذي تحكي عنه الصور، حصوليٌّ.
والقسم الآخر للعلم الحضوري أعلى وأنبل من الأوّل، وهو ما يكون فيه المدرِك والمدرَك متحديْن خارجاً، ومختلفَينْ اعتباراً ولحاظاً. وهذا كعلم الإنسان بذاته، فكل إنسان يجد ذاته حاضرة لدى ذاته، وواقِعَه غيرَ مغفول عن نفسِه. فتكون ذاته عالمة ومعلومة، فيتحد العالم والمعلوم. وهمامع ذلك مختلفان في الاعتبار، فإنَّ النفس بما أنّها واقفةٌ على واقعها، وشاهدةٌ عليه، تسمى عالمة. وبما أنّ ذاتها مكشوفةٌ ومعلومةٌ لها، تسمى معلومة.
إذا وقفت على ما ذكرنا، يظهر لك أنّ تعريف العلم على النحو المذكور لا يشمل العلم الحضوري بكلا قسميه .
أمّا القسم الأوّل، أعني علم النفس بنفس الصورة وحضورها لديها، فنقول إنّ تلك الصورة الحاصلة من الشيء عند النفس تلاحظ بنحوين:
تارة بما أنَّها صورة مأخوذة من الخارج في ظلّ أدوات حسيّة تكشف عن