نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٨ - ما هو المشار إليه بلفظ «أنا»
شاهدت، أنا مشيت، أنا فكّرت، أنا أذعنت. فلا مناص ـ حينئذ ـ من الاعتراف بأنّ هناك، وراء هذه المحمولات، موضوعاً واحداً، تحمل عليه جميع هذه المحمولات، حتّى يصحّ هذا الإسناد .
ولو كان المشار إليه هو نفس التصورات والأفعال المتراكمة،لوجب أن تكون هذه القضايا محمولات بلا موضوع، لأنّ القائل لا يعترف إلاّ بالفعل كالرؤية، والتفكير و...، أو يلزم أن يكون الموضوع نفس المحمول، لأنّه إذا كانت الأفعال المتلاحقة هي نفس «أنا»، يكون الموضوع مفهوماً منتزعاً من تلك الأفعال، وكلا الأمرين ـ أي كون القضية بلا موضوع، أو كون الموضوع نفس المحمول ـ خاطئ بالوجدان والبرهان.
وبعبارة أُخرى: إذا صحّت نظرية الحسيين القائلة بأنّ شخصية الإنسان ليست سوى نفس أفعاله، لزم من ذلك أن يكون الموضوع نفس المحمول، بمعين أن يكون المنسوب إليه نفس المنسوب. وهذا ما ذكرنا من أنّه يستلزم أن تكون القضايا فاقدة للموضوع، أو تكون نفس المحمول. والكل باطل، لأنّ المحمول غير الموضوع، والمنسوب إليه غير المنسوب. وهذا خير دليل على وجود حقيقة مستقلة عن الأفكار والأفعال، هي الشخصية الإنسانية المعبّر عنها بـ «أنا»، أو النفس الإنسانية»[١].
وهذا كما يدلّ على وجود مصدر لهذه الأفعال، يدلّ على أنّه غير البدن، لأنّ المفروض أنّ ما يصدر من الأعضاء ـ كالرؤية والتفكير ـ يسند إليه أيضاً، لا إلى البدن. وهذايكشف عن أنّه غير البدن، وعن أنّه خارج عن إطار الحسّ والمادّة.
وهكذا إذن، فالموضوعات المجرّدة، تماماً كالموضوعات المادية، واقعة تحت أفق المعرفة، عبر النوافذ الّتي يمكن الإنسان بها التطلع إلى ما وراء عالم المادة.
[١] وقد اكتفينا هنا بهذا البرهان. وذكرنا ثلاثة براهين أخرى على تجرد النفس في بحث المعاد من «الإلهيات»، تحت عنوان تجرّد الروح الإنسانية، وكلّها براهين علمية يعتمد عليها الفلاسفة وعلماء النفس. ونشير إلى رؤوسها:
أ ـ ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغيّرات الجسدية.
ب ـ علم الإنسان بنفسه مع غفلته عن بدنه.
ج ـ عدم انقسام الذات الإنسانية.