نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٢ - ١ الموانع الخارجية للمعرفة
في جمود قرائحهم، وخمود طاقاتهم، لما وقعوا فيه من إسارة التبعية والتقليد، حتّى أنَّك ترى الشاب الشرقي يستدلّ على كل شيء بأقوال الغربيين، ولايُفْسح المجال لعقله ليتفحص عن صدقه أو كذبه.
و ـ المادية في الأخلاق: إنّ من المستحيل الفصل والتفكيك بين طريقة سلوك الفرد في حياته، وطريقة تفكيره، لأنّ بين العمل والفكر رابطة وثيقة، فما يفكر به المرء ينعكس على عمله، وما يعمله ويصرّ عليه يؤثّر في تفكيره أيضاً .
صحيح أنّ من الأفكار ما لا تأثير له على السلوك، كالعلوم الرياضية والجغرافية مثلاً، بيد أنّ هناك من الأفكار ما يستحوذ على وجود الإنسان بأسره. ويَصْبَغ سلوكه، ويحدد مسيرته في الحياة. وذلك مثل معرفة الله والإيمان بوجوده، فإنّ هذه المعرفة ليست مجرّد أفكار خاوية معزولة عن واقع الحياة، لا شأن لها في السلوك ولا تأثير لها في الأخلاق والعمل، بل هي معرفة تجرُّ وراءها أفكاراً ومعارف أُخرى تؤدّي بالإنسان إلى اتّخاذ مواقف معينة في الحياة.
فمن يعتقد بوجود الله تعالى، ويؤمن بذلك يقيناً، يجرّه هذا الإعتقاد حتماً إلى الإعتقاد بأنّه سبحانه خالق حكيم، وقادر عليم، خلق الحياة والكون لغرض وهدف، وأوجد الإنسان لغاية وحكمة، فلم يتركه سدى، بل ألزمه بفرائض، ونهاه عن أُمور. وهكذا، في ضوء هذه الأفكار المتلاحقة المترابطة، ينتهي المرء إلى أنّ يغيّر أسلوبه في الحياة، وينحو منحىً يناسب تلك المعارف، وتمليه عليه تلك الأفكار.
وهكذا العمل، فإنّه يعمّق هذا الإعتقاد ويزيد من قوته في النفس، ويعمّق آفاق المرء وإدراكاته في ذلك البُعد. فإذا تَرَكَ العملَ بمقتضى اعتقاده، ضَمُرَ ذلك الإعتقاد في وجوده، وضاقت آفاقه، واختفى من قلبه شيئاً فشيئاً.
إن وزان العقيدة والعمل الصالح، وزان الجذور والسيقان والأغصان في الشجر. فكما أنّ تقوية الجذور مؤثرة في قوة الساق والأغصان، وكمال الشجرة، وجَوْدة ثمارها، فكذلك تهذيب الساق والأغصان ورعايتها، بقطع الزوائد عنها، وتعريضها لنور الشمس، مؤثّر في قوة الجذور.
إنّ الّذي ينطلق في ميادين الشهوات بلا قيود، ويمضي في إشباع غرائزه إلى