نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٦ - الدليل الرابع ـ الوجدانيات لا تنقسم
مادية. ولو قال المادي إنّ ذلك من صنع الخيال، لما أضرّ الدليلَ بشيء، لأنّه اعترف بوجود الأُمور المتصلة في ظرف الخيال. والصور الخيالية إنّما هي خيالية إذا قيست إلى الخارج، وأمّا إذا لوحظت بأنفسها، وغُضَّ البصر عن القياس، فهي من مراتب الوجود ومدارج الحقيقة.
الدليل الثالث ـ الروابط التصديقية لا تقبل الإنقسام
إنّ الإنقسام والتجزئة من خواص المادة، ولو وجدنا شيئاً لا يقبل الإنقسام لا حسّاً ولا عقلاً، فذاك دليل على أنّه ليس من سنخها، وإلاّ لما فارقه الإنقسام والتجزئة.
ومن تلك الأُمور الروابط التصديقية، فهي غير قابلة للإنقسام. وبإمكانك أن تستوضح الحال من المثال التالي:
تقول: هذا الجسم أبيض. فالموضوع ـ وهو الجسم ـ كمحموله، ذو أبعاض وأجزاء، إلاّ أنّ الحكم بأنّ هذا ذاك (الّذي يعبّر عنه في مصطلح المنطقيين بـ «الهوهويّة») الّذي هو روح التصديق، لا يقبل الإنقسام أصلاً. ومهما حاول الإنسان أن يضغط على عقله ليقسّم هذا التصديق والحكم، ويجعل له جزءاً، فإنّه سيظل عاجزاً عنه، غير قادر عليه .
وهذا دليل على أنّ حقيقة التصديق القائمة بالنفس، ليست ماديّة، وإلاّ لما تخلّصت من آثار المادة وخواصها.
الدليل الرابع ـ الوجدانيات لا تنقسم
يجد كلّ إنسان في أعماق ذهنه حبّاً وبغضاً وإرادة وكراهة وحسداً وبخلاً، وغير ذلك من الإدراكات الروحية، يعلم بها علماً حضورياً. وجميع تلك الأُمور بسيطة لا تقبل الإنقسام والتحليل والتجزئة، الّتي هي من أظهر خواصّ المادة.
لاحظ حبَّك لرفيقك، وبُغْضَك لعدوِّك، فهل تجد فيهما، في قراءة ذهنك، تَرَكُّباً وانقساماً، وأنّ كلاًّ منهما ينقسم إلى أجزاء. كلا، فذاك آية تميّزهما عن المادة، وإن شئت قلت: تجرّدهما.