نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٦ - شرائط المعرفة
٣. سلامة الحواس، وهذا خاص بالمشاهدات الحسيّة، فإنّ الأعمى يفقد العلم بالمبصرات، والأصم بالمسموعات، وفاقد الذائقة والشامّة واللامسة، بالمذوقات والمشمومات والملموسات.
وأمّا الأدوات العقلية للمعرفة، فإنّ حصول المعرفة بها والاستنتاج منها، يتوقف على شروط.
مثلاً: إنّ كثيراً من الأخطاء الّتي تظهر في المعارف المستندة إلى إعمال الأدوات العقلية، تستند إلى عدم رعاية شروط الاستنتاج. حتّى التجربة [١]، فإنّها لا تكون منتجة إلاّ إذا بلغت أعداد التجارب حدّاً يذعن معه العقل بأنّ هذا الأثر المتكرر حصوله في جميع التجارب، مستند إلى ذات الشيء، بلا مدخلية لزمان التجربة ومكانها ومحيطها ومجرّبها. ومن المعلوم أنّ تحصيل هذه النتيجة القطعية رهن عمليات كثيرة وجهود شاقّة. لكن الكثيرين من البسطاء يكتفون بتجارب محدودة، ويستنتجون منها أحكاماً عامّة، ولكنهم ما أسرع ما يفاجؤن بخطئها.
فإذا كان هذا هو الحال في التجربة، المزيجة من حسّ وعقل، فالأدوات العقلية المحضة أولى برعاية شرائط انتاجها في صورها أولاً، وموادّها ثانياً.
أمّا الصورة فيراعى فيها الشرائط اللازمة في صحة الإنتاج دائماً، المذكورة في علم المنطق، سواء في ذلك الشرائط العامة كتكرر الحدّ الأوسط، أو الخاصة بكل شكل من الأشكال الأربعة، كإيجاب الصغرى وكليّة الكبرى في الشكل الأول .[٢]
مثلاً: تقول: «زيد إنسان»، ثم تقول: «والإنسان نوع»، فتستنتج: «زيد نوع». ولا شكّ أنّ النتيجة خاطئة، لعُقم صورة القياس لأنّه من الشكل الأَول، ويشترط فيه كلية كبراه، ومن المعلوم أنّ القول بأنّ كلَّ إنسان نوع غلط.[٣]
[١] وقد مرّ عليك أنّ التجربة يتراءى أنّها أداة حسية في حين أنّها لا تكون منتجة ما لم ينضم إليها حكم عقلي .
[٢] للقياس ـ من حيث الصورة ـ شرائط عامة وأخرى خاصة .
أمّا الشرائط العامة فهي: ١. تكرر الحدّ الأوسط.
٢. إيجاب إحدى المقدمتين، فلا إنتاج من سالبتين.
٣. كلية إحدى المقدمتين، فلا إنتاج من جزئيتين.
٤. أنْ لا يتألف من صغرى سالبة وكبرى جزئية.
وأمّا الشرائط الخاصة: فيشترط في الشكل الأول: ١. إيجاب الصغرى.
٢. كلية الكبرى .
ويشترط في الشكل الثاني: ١. كلية الكبرى.
٢. اختلاف المقدمتين في السلب والإيجاب.
ويشترط في الشكل الثالث: ١. إيجاب الصغرى.
٢. كلية إحدى المقدمتين.
ويشترط في الشكل الرابع: ١. أن لا تكون إحدى مقدماته سالبة جزئية.
٢. كلية الصغرى إذا كانت المقدمتان موجبتين .
[٣] ويمكن أن يقال بأنّ الحدّ الأوسط لم يتكرر بعينه، فإنّ الإنسان المحمول في الصغرى يراد منه مصداق الإنسان (بالحمل الشائع) والإنسان الموضوع في الكبرى يراد منه مفهوم الإنسان (بالحمل الأولي) فلم يتكرر بعينه.