نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩ - الجهة الرابعة ـ التعريف لا يشمل الممتنعات الجهة الخامسة ـ التعريف لا يشمل الأرقام الحسابية
وإنّما الموجود هوالواحد المنطبق على الموجود الواحد. وأمّا الاثنان، فإنّما ينتزعها العقل من ضم واحد إلى واحد آخر، وهكذا بقية الأعداد. وليس وراء الواحدين مصداق آخر للاثنين، وإلاّ لزم أن يكون كلُّ اثنين ثلاثة: اثنان هما الواحدان، والثالث شيء آخر يسمى باسم الاثنين.
فللإنسان علم بالأرقام، ومع ذلك ليس علمه بها رهن اتّصاله بالخارج.
ومثل الرقم، الخط والنقطة والسطح. فالنقطة هي آخر الخط، والخط هو آخر السطح، والسطح آخر الجسم، وهي كلها أُمور ينتزعها الذهن بعملياته الفكرية، ولا تحقق لها في الخارج. وذلك لأنّ النقطة هي الجزء غير المنقسم من الخط، والخط هوالجزء غير المنقسم من السطح، والسطح هو الجزء غير المنقسم من الجسم. والجزء غير المنقسم لا خارجاً ولا عقلاً، الّذي يعبر عنه بالجزء الّذي لا يتجزأ، غير موجود في الخارج، وقد أقاموا براهين على امتناعه أوضحها أنّ هذا الجزء المفروض أنّه غير منقسم إمّا شرقه غير غربه، وجنوبه غير شماله، أو لا. فعلى الأول يتجزّأ عقلاً، وعلى الثاني يلزم عدم كونه موجوداً، ويساوق كونه معدوماً. وهناك براهين أُخر يرجع إليها في محلها.[١]
ونكرر هنا ما تقدم من أنّ هذه المفاهيم الّتي يصنعها الذهن في محيطه، وإن كانت غيرموجودة في الخارج، ولم يصل إليها الذهن من طريق الحواس الظاهرة، غير أنّه لولا صلة الذهن بالخارج، لماكان قادراً على تصوُّر المعدومات والمحالات، وقد تقرر في الفلسفة الإسلامية أنّ العلوم الحسية تعطي النفس قدرة وخلاّقيّة لصنع تلك المفاهيم وانتزاعها وإدراكها.
***
[١] بإمكانك أن تلاحظ شرح المنظومة، لناظمها، غرر في إبطال الجزء الّذي لا يتجزّأ، ص ٢٢٢ ـ ٢٢٧، من قول الحكيم السبزواري :
تَفَكُّكُ الرَّحى ونَفْيُ الدائرة * وحُجَجٌ أُخرى لديهم دائرة
مُبْطِلَةُ الجواهِر الأَفرادِ * في واجبِ القَبولِ للأبعَادِ