نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨١ - الإلهام والإشراق
ويردْونه على وجه القطع والبتّ، ويشبّهون من يمشي طريق المعرفة بالعقل، بمن يمشي برجل خشبية.
غير أنّ ذلك مغالاة في القول، لا يصدقه العقل، فكيف بالكتاب العزيز؟!
مع أنّا نؤاخذ عليهم بأنّ ما ذكروه، هو استدلال بالعقل والبرهان على إبطال العقل، والبرهان، حيث يشبّهون الماشي في طريق كسب المعرفة على ضوء العقل، بمن يمشي برجل خشبية، فكما أنّ الرجل الخشبية تعرقل الإنسان عن إدامة المشي، فهكذا العقل. إذ لو لم يكن العقل من أدوات المعرفة، فكيف يستدلّ به على حصر أدوات المعرفة بالإلهام والإشراق.
ولو رفضنا المغالاة في القول، فالحق أن نقول: إنّ الحسّ والعقل أوسع نفعاً من الإلهام والإشراق، فإنّ الأَوَلَيْن يعمّ الانتفاع بهما كل الناس، بينما الأخيرين لا ينتفع بهما إلاّ قلّة ممّن ذكرنا أوصافهم، وليسا رميةً لكلّ نبّال.
هذا، والذكر الحكيم كما دعا إلى هذا النوع من المعرفة كما سيوافيك، دعا إلى الانتفاع بالحسّ والعقل وأكّد عليه كثيراً، من ذلك قوله سبحانه: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)[١] .
وبهذا تقف على الفرق بين العارف الإسلامي والصوفي المتقشّف، فالأخير يخصّ أداة المعرفة بالإلهام، بينما العارف الإسلامي، كما يستضيء بهذه الأداة، يستضيء بالحسّ والعقل، ويعطي كلاًّ حقَّه.
وللشيخ الرئيس ابن سينا في الإشارات، ولشارحه أيضاً المحقق الطوسي، كلام في المقام، نذكر منه المقتطفات التالية:
قال الشيخ: «إنّ للعارفين مقامات ودرجات يُخَصُّونَ بها، وهم في حياتهم الدنيا، دون غيرهم، فكأنّهم وهم في جلابيب من أبدانهم، قد نضّوها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس، ولهم أُمور خفية فيهم، وأُمور ظاهرة عنهم يستنكرها من ينكرها، ويستكبرها من يعرفها».
[١] يونس: ١٠١ .