نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٠ - الإلهام والإشراق
ولكن كما أن انعكاس الصور من الخارج على المرآة يتوقف على صفائها ووجود شرائط تمكّن من انعكاسها عليها مثل وقوعها في زاوية خاصة، وارتفاع الحجب بينها وبين المرئي، كذلك لابدّ في انعكاس حقائق الأشياء من عالم الغيب، من صفاء النفس وصقالتها وطهارتها من آثار الذنب والعصيان وكل مناف للأخلاق والشيم، وتحررها من قيود الطبيعة، حتّى يسمع كلام جنود ربِّه ووحيهم.
ويصب العرفاء الشرائط اللازمة لإمكان التلقّي من الغيب، في أمور، لابدّ من تحققها في النفس :
١. عدم نقصان جوهرها، بأن لا تكون كنفس الصبي الّتي لا تتجلّى لها المعلومات لنقصانها.
٢. صفاؤها عن كدورات ظلمة الطبيعة وخبائث المعاصي، وهو بمنزلة الصيقل عن الخبث والصدأ.
٣. توجهها الكامل إلى عالم الغيب، وانصراف فكرها إلى المطلوب، بأن لا تكون غارقة في الأُمور الدنيوية، وهو بمنزلة محاذاة المرآة.
٤. تخليتها عن التعصّب والتقليد، وهو بمنزلة ارتفاع الحجب. وربما يزيدون قولهم:
٥. التوصل إلى المطلوب بتأليف مقدمات مناسبة للوصول إليه على الترتيب المخصوص والشرائط المقررة.
فإذا ارتفعت حجب العصبية والسيئات عن النفس، وحازت شطر الحق الأول (الله جلّ وعلا)، تجلّت لها صورة عالم الملك والشهادة إجمالاً، بحسب ما تستطيعه من الأخذ والتلقّي.
وما يتلقّاه الإنسان الطاهر، من عالم الغيب بلا إعمال الحسّ والعقل، إن كان راجعاً إلى شخص الإنسان، يسمّى إلهاماً تارة، وإشراقاً أُخرى، وإن كان راجعاً إلى تربية الناس وتكميل نفوسهم بتشريع قوانين وتعاليم يرتقي بها المجتمع إلى الكمال، فيسمّى وحياً، والإنسان المتلقّي له نبيّاً.
ولكن بعض من يدّعون الإلهام والإشراق، لا يكيلون العقل بصاع،