نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٩ - الإلهام والإشراق
أدوات المعرفة
(٦)
الإلهام والإشراق
الأُصول الّتي يتبناها الماديّ في نظرته الكونية إلى العالم، تفرض عليه أن لا يعتقد إلاّ بأداتين من أدوات المعرفة: العقل، والحسّ وما يعتمد عليه من تمثيل واستقراء وتجربة. وأمّا الإلهي، فيعتقد أنّ هناك وراء هذه الأدوات، أداة أُخرى، يتجهّز بها عدّة ممن طهرت قلوبهم، وصفت أذهانهم، وصقلت أنفسهم، فاستعدوا لتلقّي المعارف من عالم الغيب، وما وراء الحسّ والشهود.
فالمادي، حيث إنّه يعتقد بتساوي الوجود مع المادة، لا يرى للغيب والمعارف المفاضة منه إلى قلوب العرفاء والأولياء، مفهوماً صحيحاً، وربما يخطئه، أو يسكت عنه قائلاً بأنّ العلم والمختبرات لم تكشف عنه شيئاً.
وأمّا الإلهي المعتقد بكون دائرة الوجود أوسع من المادة، فيعتقد بأنّ هناك شهادة وهناك غيباً، وأنّه يمكن للإنسان أن يتصل بعالم الغيب، ويقف على أشياء لا يقف عليه لا بحسّه ولا بعقله، وليست حقيقة هذا الوقوف إلاّ إفاضة المعاني والحقائق والصور من ذلك العالم إلى نفس العارف السالك المطّهر من درن المعاصي ورذائل الأوصاف.
وأمّا كيف يتصل الإنسان، المأسور بالمادة، بعالم الغيب، فإليك بيانه:
إنّ النفس الإنسانية بمنزلة المرآة، تنعكس على صفحتها حقائق الأشياء من عالم الغيب، فيقف على صور ومعاني لا يمكن الوقوف عليها بالحسّ والعقل،