منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٤ - الرابع في علاج الريا
و مهما عرف العبد مضرّة الرّيا و ما يفوته من صلاح قلبه و ما يحرم عنه في الحال من التّوفيق و في الآخرة من المنزلة عند اللّه و ما يتعرّض له من العقاب العظيم و المقت الشّديد و الخزي الظاهر حيث ينادى على رءوس الخلايق يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت؟ إذ اشتريت بطاعة اللّه عرض الدّنيا، و راقبت قلوب العباد و استهزأت بطاعة اللّه و تحبّبت إلى العباد بالتبغض إلى اللّه، و تزيّنت لهم بالشّين عند اللّه، و تقرّبت إليهم بالبعد من اللّه، و تحمدت إليهم بالتّذمّم عند اللّه، و طلبت رضاهم بالتّعرض لسخط اللّه أما كان أحد أهون عليك من اللّه؟
فمهما تفكّر العبد في هذا الخزي و قابل ما يحصل له من العباد و التّزيّن لهم في الدّنيا بما يفوته في الآخرة و بما يحبط عليه من ثواب الأعمال مع أنّ العمل الواحد به ربّما كان يترجّح ميزان حسناته لو خلص فاذا فسد بالرّيا خوّل إلى كفّة السّيئات فترجّح به و يهوى إلى النّار؛ فلو لم يكن في الرّياء إلّا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره و إن كان مع ذلك ساير حسناته راجحة، فقد كان ينال بهذه الحسنة علوّ الرّتبة عند اللّه في زمرة النّبيين و الصّديقين، و قد حطّ عنهم بسبب الرّيا و ردّ إلى صفّ النّعال من مراتب الأولياء هذا.
مع ما يتعرّض له في الدّنيا من تشتّت الهمّ بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فانّ رضا النّاس غاية لا تدرك فكلّ ما يرضى به فريق يسخط به فريق، و رضا بعضهم في سخط بعضهم، و من طلب رضاهم في سخط اللّه سخط اللّه عليهم و أسخطهم أيضا عليه ثمّ أىّ غرض له في مدحهم و ايثار ذمّ اللّه لأجل حمدهم، و لا يزيدهم حمدهم رزقا و لا أجلا، و لا ينفعه يوم فقره و فاقته و هو يوم القيامة.
و أمّا الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أنّ اللّه هو المسخّر للقلوب بالمنع و الاعطاء و لا رازق إلّا اللّه و من طمع في الخلق لم يخل من الذّلّ و الخيبة، و إن وصل إلى المراد لم يخل عن المنّة و المهانة فكيف يترك ما عند اللّه برجاء كاذب و وهم فاسد؟ و قد يصيب و قد يخطي و إذا أصاب فلا تفي لذّته بألم منّته و مذلّته.