منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٦ - المعنى
نسبته إلى كلامهما نسبة النّبأة إلى الصّيحة، و من المعلوم أن الصوت الضّعيف لا يدرك عند الصّوت القوي أو الحواس لا تدرك الأضعف مع وجود الأقوى المماثل في كيفيّته، ففي هذه الفقرة من كلامه دلالة على عدم اختصاص تمرّدهم به ٧ فقط، بل كانوا متمرّدين من أوّل الأمر مستكبرين عن طاعة اللّه و طاعة رسوله أيضا كما أنّ فيها و في سابقتها إشارة إلى تماديهم في الغفلة بما غشت قلوبهم من الظلمة و القسوة حيث لم يسمعوا داعي اللّه و لم يفقهوا كلام اللّه و لم يتدبّروا في القرآن و نكثوا بيعة ولي الرّحمان، قال سبحانه في الحديث القدسي: يا ابن آدم استقامة سماواتي في الهواء بلا عمد باسم من أسمائي و لا يستقيم قلوبكم بألف موعظة من كتابي، يا أيّها النّاس كما لا يلين الحجر في الماء كذلك لا يغني الموعظة للقلوب القاسية.
ثمّ إنّه ٧ لمّا دعى بالوقر على الاذن الغير الواعية للواعية و أتبعه بالاشارة إلى عدم إمكان تأثير نبأته فيمن أصمّته الصّيحة لاستحالة تأثر القلوب القاسية بالموعظة و النّصيحة، أردف ذلك بالدّعاء للقلوب الوجلة الخائفة بقوله: (ربط جنان) أى سكن و ثبت (لم يفارقه) الاضطراب (و الخفقان) من خشية اللّه و الاشفاق من عذابه ثمّ خاطب ٧ بقيّة أصحاب الجمل أو المقتولين أو هما معا و قال: (ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر) و الحيلة و أترقّب منكم المكر و الخديعة، و ذلك إمّا من أجل أنّ النبيّ ٦ أخبره بذلك و بأنّهم ينقضون بيعته بعد توكيدها، و إمّا من أجل استنباطه ٧ ذلك من حركاتهم و وجنات أحوالهم كما يشعر به قوله:
(و أتوسّمكم بحلية المغترين) و ذلك لأنّه ٧ فهم أنّهم من أهل الغرّة و قبول الباطل عن أدنى شبهة بما لاح له من صفاتهم و سماتهم الدّالة على ذلك، و كان علمه ٧ بذلك مستلزما لعلمه بغدرهم بعهده و نقضهم لبيعته فكان ينتظر ذلك منهم.
و لذلك إن طلحة و الزّبير لما دخلا عليه ٧ يستأذنانه في العمرة قال: ما العمرة تريدان، فحلفا له باللّه إنّهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: ما العمرة تريدان و إنّما تريدان الغدرة و نكث البيعة، فحلفا باللّه ما لخلاف عليه و لا نكث بيعته يريدان و ما رأيهما غير العمرة، قال لهما، فاعيدا البيعة لي ثانيا، فأعاداها بأشد