منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٢ - المعنى
المبدأ قريبا إلى المنتهى، فتكون بمنزلة السّايق إليه و من الواضح أنّ الحادي و السّايق من شأنه أن يكون وراء ما يحديه و يسوقه، فبذلك الاعتبار صحّ جعلها ورائنا، و يمكن استنباط ما ذكرته من تقديم الخبر على الاسم، بيان ذلك أنّ كون الموت أمام الانسان لما كان واضحا عند الكلّ أجرى الكلام فيه على الحقيقة بتقديم ما حقّه التّقديم و تأخير ما حقّه التّاخير حيث قال: فانّ الغاية أمامكم.
و أمّا كون السّاعة في الوراء لمّا كان خفيّا بالاعتبار الذي ذكرناه من انقسامها إلى الماضي و الاستقبال، و كان نظر الجاهل دائما إلى ما بقي من عمره و إلى ما هي أمامه من السّاعات الباقية غير ملتفت إلى ما مضى، لا جرم نبّه على أنّ ما تحسبونه أمامكم فهي في الحقيقة ورائكم باعتبار أنّها تحدوكم، فلذلك قدّم الخبر على الاسم و قال: إنّ ورائكم السّاعة لمزيد الاهتمام به و زيادة إشعاره بهذا المعنى فافهم و إذا عرفت ما ذكرناه فلنذكر ما ذكره الشّراح في المقام فأقول:
قال الشّارح البحراني في شرح قوله: إنّ الغاية أمامكم: لما كانت الغاية من وجود الخلق أن يكونوا عباد اللّه، كما قال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، و كان المقصود من العبادة إنّما هو الوصول إلى جناب عزّته و الطيران في حظاير القدس بأجنحة الكمال مع الملائكة المقرّبين، و كان ذلك هو غاية الانسان المطلوبة منه و المقصودة له و المأمور بالتّوجّه إليها بوجهه الحقيقي، فان سعى لها سعيها أدركها و فاز بحلول جنّات النّعيم، و إن قصر في طلبها و انحرف صراط السّواء الموصل إليها، كان في جهنّم من الهاوين، و كانت غايته فدخلها مع الدّاخلين، فاذن ظهر أنّ غاية كلّ إنسان أمامه إليها يسير و بها يصير.
و في شرح: استعاره و إنّ ورائكم السّاعة تحدوكم: إنّ المراد بالسّاعة القيامة الصّغرى و هي ضرورة الموت.
فأمّا كونها ورائهم فلأنّ الانسان لما كان بطبعه ينفر من الموت و يفرّ منه و كانت العادة في الهارب من الشيء أن يكون ورائه مهروب منه، و كان الموت متأخّرا عن وجود الانسان و لاحقا تأخرا و لحوقا عقليّا، أشبه المهروب منه المتأخّر اللّاحق