منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٥ - الرابع في علاج الريا
و أمّا ذمّهم فلم يحذر منه و لا يزيده ذمّهم شيئا فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب و ضررها فترت رغبته و أقبل على اللّه قلبه، فانّ العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره و يقلّ نفعه، و يكفيه أنّ النّاس لو علموا ما في بطنه من قصد الرّياء و إظهار الاخلاص لمقتوه، و سيكشف اللّه عن سرّه حتّى يبغضه إلى النّاس و يعرّفهم أنّه مراء و ممقوت عند اللّه و لو اخلص للّه لكشف اللّه لهم إخلاصه و حبّبه إليهم و سخّرهم له و اطلق ألسنتهم بالمدح و الثّناء عليه.
أقول و هو كما روي انّ رجلا من بني إسرائيل قال: لأعبدن اللّه تعالى عبادة اذكر بها فمكث مدّة مبالغا في الطاعات و جعل لا يمرّ بملاء من النّاس إلّا قالوا متصنّع مراء، فأقبل على نفسه و قد قال: اتعبت نفسك و ضيّعت عمرك في لا شيء فينبغي أن تعمل للّه سبحانه فغير نيّته و أخلص عمله للّه تعالى، فجعل لا يمرّ بملاء من النّاس إلّا قالوا ورع تقيّ هذا.
مع أنّ مدح النّاس لا ينفعه و هو عند اللّه مذموم و من أهل النّار، و ذمّ النّاس لا يضرّه و هو عند اللّه محمود و من أهل الجنّة فمن أحضر في قلبه الآخرة و نعيمها المؤبّد و المنازل الرّفيعة عند اللّه استحقر ما يتعلّق بالخلق أيّام الحياة مع ما فيه من الكدورات و المنقصات و كيف يرضى العاقل أن يجعل ثمن عمله مدح النّاس له و ما في أيديهم من حطام الدّنيا و زخارفها مع أنّها على تقدير النّيل إليها ثمن بخس و رضا اللّه سبحانه هو الجزاء الأوفى.
فلو قيل لك: إنّ ههنا رجلا معه جوهر نفيس يساوي مأئة ألف دينار و هو محتاج إلى ثمنه بل إلى بيعه عاجلا و إلى أضعافه ثمنا فحضر من يشتري منه متاعه بأضعاف ثمنه مع حاجته إلى الاضعاف فأبى بيعه بذلك و باعه بفلس واحد أ لست تحكم بسفاهة ذلك البايع و نقصان عقله؟
فحال المرائي بعينه مثل حال هذا البايع، فإنّ ما يناله العبد بعمله من حطام الدّنيا و مدح النّاس له بالاضافة إلى ثواب الآخرة و مرضات اللّه سبحانه اقلّ من فلس في جنب ألف ألف دينار بل أقلّ من نسبته إلى الدّنيا و ما فيها؛ هذا كلّه هو الدّواء العلمي