تحريرات في الأصول - الخميني، السيد مصطفى - الصفحة ٦٦ - الجهة الثانية في الواضع
و قصة الترجيح بلا مرجح [١] تندفع بالمرجّحات الموجودة عند كل واضع من الإنس، فهو باللغة و الشرع و التعصبات القومية و غير ذلك.
فكانت اللغات الموضوعة في بدو نشر البشر، غير بالغة عدد الأصابع و الأنامل، ثم مست الحاجة بعده إلى أن صارت غير متناهية، فتدبر.
ثم إن من شرائط الواضع كونه نافذا في صنعه، و إلا فلا تحصل تلك العلقة و ذلك الربط.
و هذا الّذي ذكرناه لا ينافي دخالة الإلهامات و الإيحاء في وضع طوائف من اللغات؛ لأنه أيضا من طبيعي الإنسان الّذي هو الواضع، و لعله مما يطمئن به في بعض اللغات التي هي مشحونة في الهيئات و المواد بالدقائق؛ فإن القوانين المترائية في لسان العرب، لا تستند إلى نفس الطبائع الغريزية، فإنه معلوم البطلان، فلا مانع من الالتزام بدخالة الأنبياء و الحكماء و العلماء و أرباب العقول في ذلك، و لعل يعرب ابن قحطان منهم، و لست أدري خلافه، فلا منع من كون ذلك بيد الرسل في الجملة، حتى يتمكن الإنسان الّذي عَلَّمَهُ الْبَيانَ [٢] من الوضع على حسب ما تعلم من الأوضاع.
ثم إن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه اللَّه): «من أنه هو اللّه تعالى بنحو الإلهام الّذي هو الحد الوسط بين التكوين و التشريع» [٣] لا يخلو من غرابة. مع أن التشريع عين التكوين أيضا، كما تقرر في محله [٤].
و كأنه (رحمه اللَّه) توهم المجتمع البشري البالغ إلى ملايين بلا لغة، ثم بعد ذلك
[١]- قوانين الأصول ١: ١٩٤- السطر ١١- ١٩، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي ١: ٣٠- ٣١.
[٢]- الرحمن (٥٥): ٤
[٣]- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي ١: ٣٠، أجود التقريرات ١: ١٢.
[٤]- يأتي في الجزء الثاني: ٦٨- ٦٩.