أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحبة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٥٨ - الوصية النبوية الثانية لأبي ذر
وكان فيها أمثال: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات. ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يتفكر في صنع الله تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألّا يكون ظاعنًا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى ٧؟ قال: كانت عبرًا كلها، وفيها: عجب لمن أيقن بالنار ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجب لمن أبصر الدنيا وتقلبها بأهلها حالًا بعد حال ثم هو يطمئن إليها، عجب لمن أيقن بالحساب ثم لم يعمل! قلت: يا رسول الله، فهل في الدنيا شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى ٨ مما أنزل الله عليك؟ قال: اقرأ يا أبا ذر (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (*) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (*) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (*) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (*) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولى (*) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)[١]. قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك كله. فقلت: يا رسول الله، زدني. قال: عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء، ونور لك في الأرض. قلت: يا رسول الله، زدني. قال: عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي. قلت: يا رسول الله، زدني. قال: عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطرد الشيطان عنك، وعون لك على أمور دينك. قلت: يا رسول الله، زدني. قال: إياك وكثرةَ الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه. قلت: يا رسول الله، زدني. قال: انظر من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر ألّا تزدري نعمة الله عليك. قلت: يا رسول الله، زدني. قال: صل قرابتك وإن قطعوك، وأحب المساكين، وأكثر مجالستهم. قلت: يا رسول الله،
[١]) الأعلى: ١٥ـ ١٩