أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحبة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٤٧ - موقف أبي ذر من السياسة المالية للخليفة عثمان
قُرَيشٍ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ! ما يُجلِسُكَ ها هُنا؟ قال: يَأبى هَؤُلاَءِ أن يَأذَنُوا لي، فَدَخَل الرَّجُلُ فقال: يا أمَير المُؤمنين! ما بالُ أبي ذَرٍّ عَلى البابِ لاَ يُؤذنُ لَه؟ فَأمَر فَأذِنَ لَه، فَجاء حتى جَلَس ناحيةَ القَومِ وميراثُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ يُقَسَّمُ، فقالَ عثمانُ لِكَعبٍ: يا أبا إسحاقَ: أرأيتَ المالَ إذا أُدِّىَ زَكاتُهُ هَل يُخشى عَلى صاحِبه فِيه تَبعَتُهُ؟ قالَ: لاَ، فَقامَ أبو ذَرٍّ ومَعه عصًا فَضَربَ بِها بَين أُذُني كَعبٍ، ثُمَّ قالَ: يا بنَ اليهودِيةِ تَزعُمُ أنَّه لَيس (عَلَيه) حَقٌّ في مالِه إذا أدّى الزَّكاةَ، واللهُ تَعالى يقولُ: - ﴿ويُؤثِرُونَ عَلى أنفُسِهِم ولَو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ﴾ واللهُ تعالى يقول: ﴿ويُطعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ واللهُ تَعالى يقولُ: ﴿وفِي أموالِهِم حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحرُومِ﴾ فَجعَل يَذكُر نَحوَ هذا مِنَ القرآن، فقالَ عثمانُ لِلقُرَشِيّ، إنّا نكرهُ أن نأذَنَ لأبِي ذَرٍّ مِن أجلِ ما تَرى".[١]
ولم يكن أبو ذر الغفاري هو الوحيد الذي اصطدم مع الخليفة عثمان من الصحابة، بل كان هناك عبد الله بن مسعود الذي توفي على أثر عقوبة قام بها غلمان الخليفة حيث "أمر عُثمان بِهِ فأخرج من المَسجِد إخراجًا عنيفًا، وضرب بِهِ عَبد اللَّهِ بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأرضَ، ويقال بَل احتمله يحموم غلام عُثمان ورجلاه تختلفان عَلى عنقه حَتّى ضرب بِهِ الأرض فدق
[١]) جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» ١٦/٨١٥ السيوطي، ولا نعتقد أن القضية كانت ضمن هذه الحدود؛ فإنه يلحظ أن منهج الاتجاه الرسمي لمدرسة الخلفاء يظهر أبا ذر بصورة الفوضوي الذي لا يراعي أمور النظام والاستقرار ولا يستطيع الانسجام مع الحالة المدنية للمجتمع! والشاهد على أن القضية لم تكن ضمن هذه الحدود المذكورة في الحديث أعلاه، هو كلام رسول الله وتثمين أمير المؤمنين ٨ لحركته وقوله وأمره بالمعروف. فإن ما سبق ذكره في الحديث لو أخذ على علاته فإنه يخطّئ أبا ذر وكلامه والحال أنه أصدق لهجة من كل أحد بنص النبي! بينما أقل الناس يعرف بأن من أدى زكاة أمواله فلا حرج عليه بعد ذلك إذا أنفقه في المعروف.. وإنما الكلام الأصلي هو في بيت مال المسلمين الذي يكاد يجمع المؤرخون على القول بأن الخليفة الثالث أباحه لأقاربه من بني أمية وكان ذلك سبب الثورة عليه..