الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٥٤ - الارتباط العاطفي
والأحاديث لا تدلّ عليه، ثم يبدي رأيه ويسنده بما ورد عن عبد الله بن مبارك الذي يصفه بأنه من أعلام العلم والفقه والمعرفة حينما سُئل عن معاوية وعمر بن عبد العزيز، وأيهما أفضل؟ فأجاب بما مفاده: أنّ الغبار الداخل في أنف حصان معاوية وهو في ركاب رسول الله (ص) أفضل من مائة من أمثال عمر بن عبد العزيز، وهو بذلك يريد أن صحبة رسول الله (ص) ورؤيته تضفي على الإنسان قيمة لا يعادلها أي عمل ولا يساويها شرف[١].
ولا ينكر الدور القوي للسياسة هنا، ولكن ينبغي أن نعترف بأن المسلمين نشؤوا مع هذا الطور الفكري، وتبلورت أذهانهم وشخصياتهم على أساسه فيما يبدو أنه أصبح حاجة أخلاقية ونفسية وعاطفية ودينية، فضلًا عن أنهم كانوا مضطرين لعرض نظام كلامي منسجم من مجموعة متضادة في الباطن.
فالإنسان المؤمن المعتقد بأي شيء من الدين والامور الاخرى يطمح في أن يرى معتقداته تنتظم في مجموعة مترابطة منسجمة غير متضادة كحاجة أساسية من حاجاته. وهذا لا ينبع من اضطرار يفرضه عرض العقيدة على الآخرين أو الدفاع عنها بقدر ما هو حاجة باطنية تبقى دون إشباع لو لم تتمّ الاستجابة لها بهذه الطريقة، ذلك أن استقرار النفس الإنسانية إزاء معتقداتها ترتبط بهذا الانسجام والتكيف. فالقسم الأعظم من الجهود الفكرية والعلمية للإنسان سواء تلك المتعلقة بالدين أو بالعلم يُستهلك في تنظيم معتقداته وتكييفها مع بعضها لإشباع هذه الحاجة الباطنية.
ويمكن ملاحظة مثال هذا الجهد فيما يتعلق بالصحابة وشخصيات صدر الإسلام في الرأي القائل بأن أفضل هذه الامّة وجميع الامم بعد الأنبياء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، على أساس أنه كلام سمع عن الرسول (ص)، وأن أفضل الناس بعدهم طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو
[١] - طبقات الحنابلة: ٢/ ٢١.