الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١١٠ - التفكك الاجتماعي
كذلك فإن مشكلة الخوارج كانت ستبرز بشكل أو بآخر، لأن هذه الطائفة ليست وليدة التحكيم، وإنما كانت هذه الحادثة بمثابة المفجّر لهذه القرحة المزمنة منذ عهد الرسول (ص)، ذلك أن الخوارج كانوا من عتاة البدو وقساتهم يفهمون الدين بصورة اخرى فهماً ضيّقاً متحجّراً، وعلى أساس فهمهم هذا كانوا يعترضون حتى على رسول الله (ص)، وقصة ذلك الرجل (ذو الخويصرة) من بني تميم الذي أصبح فيما بعد أحد زعماء الخوارج وقتل في الجمل معروفة، فقد احتج على رسول الله (ص) وهو يقسم غنائم خيبر، وقال: ما عدلت منذ اليوم. فغضب النبي (ص) وقال له:» ويحك، فمن يعدل إذا لم أعدل؟! «، ثم قال:» سيخرج من ضِئْضِئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية «.[١]
وكان لابدّ من أن يمضي بعض الزمن وتطرأ بعض التغيّرات لكي تتبلور هذه المجموعة البدوية المنحرفة في فكرها المتحجر على شكل حزب يقف بوجه النظام الحاكم، فمن الخطأ جداً أن نتصور أن هذا الحزب ولد في حرب صفين بعد التحكيم، فقد كان غُدّة في باطن المجتمع الإسلامي لابدّ أن تتقرّح يوماً ما، وحلّت اللحظة المناسبة لذلك في خلافة عليّ (ع) نتيجة ظروف تلك المرحلة.[٢]
[١] - تنقل هذه الرواية عامة كتب التاريخ والحديث، انظر على سبيل المثال: هامش الملل والنحل: ١/ ١١٦. والطريف أن ابن تيمية ينقل أيضاً هذه الحادثة في: السياسة الشرعية: ٤٦. وعن الأحاديث الواردة حول الخوارج راجع كنز العمال: ١١/ ٣٢٣ ٢٨٦.
[٢] - حول ظهور الخوارج واستمرارهم راجع الكتاب المفيد: الخوارج في العصر الاموي لنايف معروف، والكتاب الأقدم: الخوارج والشيعة لفلهاوزن، ترجمة عبد الرحمن بدوي.
وأفضل من وصفهم هو الإمام نفسه، إذ قال بعد معركة النهروان حينما سُئل عنهم أنهم قوم فتنوا فعُموا وصُمّوا. انظر المصنف: العدد ١٨٦٥٦، وكذلك: قراءة جديدة في مواقف الخوارج وفكرهم وأدبهم: ٧٥٨٢.