الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٩٩ - الفهم العام
جادة الصواب ولابد أن ينبَّه إلى ذلك، ثم توالت الضغوط لتعني بأن الخليفة يُصرّ على نهجه الخاطئ ولابد من أن يقاوم، ووصل الأمر أن حوصر الخليفة في منزله ثم قُتل دون أن يُسدل الستار عن القضية، حيث فقد عثمان مصداقيته كمسلم بين المسلمين، فلم يُدفن بعد قتله لثلاثة أيام، وأخيراً وُرِي الثرى في مكان غير مناسب[١].
فإذا كان أساس رأي الأجيال اللاحقة بعثمان متأثراً بكيفية تعامل مسلمي زمانه معه لهبطت مرتبته إلى أدنى من مرتبة أي مسلم عادي، لكن معاوية عمل على تبرئة ساحته وإضفاء قداسة عليه ليكون في مصافِّ الخليفة الأول والثاني وجعل منه خليفة حقٍّ على المسلمين. وتعتبر هذه من نقاط الضعف لدى النظام الكلامي والاعتقادي لأهل السنّة. إن ما وضع عثمان في مصافِّ سائر الخلفاء الراشدين لدى أهل السنّة هو الإعلام الواسع الذي قام به معاوية وأخلافه، وقد طعن به وذمّه من وضع تاريخ صدر الإسلام على مشرحة الانتقاد واطّلع على هذا الإعلام والتزوير وممارسات عثمان اللامشروعة، ومنهم المعتزلة ماضياً وعامة المفكرين المسلمين حاضراً، ولا سيما ذوي الاتجاهات الثورية على الخصوص، مما سنتحدث عنه بالتفصيل لاحقاً بإذن الله[٢].
[١] - انظر تفاصيل اعتراض المسلمين على عثمان ومحاصرتهم له وقتله، وكيفية الصلاة عليه ودفنه في: تاريخ الخلفاء: ١٥٧١٦٤، والإمامة والسياسة: ١/ ٣٢٤٥، ومروج الذهب: ٢/ ٣٤٥٣٥٧. والطريف أن ابن أبي الحديد يقول عن اعتراض عائشة على عثمان: بأنّه كان من الجرأة والصراحة والقوة والعنف بحيث لا يجرؤ اليوم أحد أن يتفوّه به، ويقول: إن عائشة قالت في عثمان كذا، شرح ابن أبي الحديد: ٢/ ١١.
[٢] - حول محاولات معاوية الواسعة لتزوير أحاديث في فضل عثمان راجع كتاب: شرح ابن أبي الحديد: ١١/ ١٥ و ١٦. ومن الامور التي كان يتمسك بها الامويون محاولاتهم لإضفاء المشروعية والحق على حكمهم باعتبارهم ورثة عثمان شرعاً وقانوناً، وقد نحا شعراء البلاط الاموي هذا المنحى. لكن هذا كان جانباً من القضية، أما الجانب الآخر فهو إضفاء هالة من القداسة على عثمان والتركيز على مظلوميته، فكلما ارتفع شأن عثمان كلما ارتفعت منزلة ورثته وخلفائه، والعكس صحيح أيضاً، أي لو حامت الشكوك حول مكانته لانتقلت هذه الشكوك إلى بني امية. كان هذا هو العامل الأهم في إخفاء قداسة على شخص لم يكن يحتلّ أثناء خلافته أي موقع في قلوب رعيته. للمزيد من التوضيح راجع: الامويون والخلافة: ١٢١٧.
وحول النقاش الذي دار فيما بعد حول عثمان ومقارنته بالخلفاء الراشدين سواء بين المتكلمين أو بين أهل الحديث راجع: شرح ابن أبي الحديد: ١/ ٦١٠، وكذلك: المواقف: ٤٠٧٤١٣. وعن انتقادات المفكرين الإسلاميين وأصحاب الميول الثورية راجع: انديشه سياسي در إسلام معاصر( الفكر السياسي في الإسلام المعاصر): ١٥٠.