الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٩٢ - الظرف الجديد
يجعله في موقع يستطيع من خلاله أن يحظى بما لم يحظَ به غيره، ولهذا توجّهت الأنظار إليه[١].
وربما كانت هذه الحقيقة هي السبب في أنّ عمر وخلافاً لسلفه لم يوصِ لشخص معين من بعده، مع أنّه لم يكن أضعف من أبي بكر وكلامه لم يكن أقلّ نفوذاً من كلام أبي بكر، وإنما أدرك بفراسته تغيّر الظروف والأوضاع التي لم تكن تقتضي مثل ذلك، ولهذا اضطرّ للوصية بالخلافة بهذه الكيفية الاستثنائية، وهي وصية لم يقلّده فيها آخر، ولربما لم يستطع أن يقلّده أحد فيها[٢]، رغم ما كان يتمتع به من شخصية فذّة بين أنصاره الذين حاولوا تقليده في امور كثيرة.
ينقل عبد الله بن عمر وصية أبيه كالتالي: «دخل على عمر بن الخطاب حين
[١] - حول وصية عمر وشروطها انظر: الإمامة والسياسة: ١/ ٢٣٢٥. ومن المناسب أن ننقل رأي علي الوردي بشأن المشاكل والصعوبات التي واجهها عمر في تعيين خليفته، ونظراً إلى ميوله الشيعية فإنه يؤكد على أنّ عمر لم يعيّن علياً مكانه خوفاً من مخالفة قريش. ولسنا الآن بصدد إصدار الحكم على صحة الرأي من عدمه، وإنما يهمّنا أن نبين ظروف تلك الفترة:« قد يظنّ البعض في هذا العصر أنّ عمر كان يستطيع أن يعين خليفته فيقبل الناس منه هذا التعيين ويرضخون له. إننا الآن ننظر في الأمر نظراً سطحياً، ولا ندري ماذا كان يجري وراء الستار في ذلك الحين من مؤامرات ومكايدات؟
ولو أنّ عمر ولّى علياً من بعده لرأينا قريشاً تقوم وتقعد، وتقلب الدنيا على رأس عليٍّ .. عدوّها اللدود».
ويضيف في مكان آخر:« يبدو في هذا أنّ عمر كان حائراً يودّ أن يوصي بالخلافة لعليٍّ، ولكنّه يرى أن قريشاً ستقاومه وتتحزّب ضدّه». وعّاظ السلاطين: ٢٠١ ١٩٩.
[٢] - رغم ما حظي به الخليفة الثاني من مكانة مميزة، وجرت في العهود التالية محاولات مستمرة لمتابعة نهجه غير أنّ أحداً لم يتّبعه في اسلوب تعيين الخليفة، ومع أنّ متكلمي أهل السنّة حدّدوا جميع أنواع تعيين الخلفاء لكنهم لم يذكروا طريقة الخليفة الثاني. انظر: الأحكام السلطانية: ٦١١.