الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٨٣ - خلافة عمر
المسلمين، خاصة أن عملاءهما كانوا يجاورون المسلمين ولا يأمن جانبهم من أي هجوم[١].
فضلًا عن ذلك فإن رسول الله (ص) وفي الأيام الأخيرة من عمره الشريف كان قد جهّز جيشاً بقيادة اسامة بن زيد لقتال الروم، رغم أنه (ص) ربما كان يستهدف إبعاد من كان يُخشى عليه الانحراف عن وصيته بشأن مسألة الخلافة والإمامة، ولكن ذلك لا ينفي الخطر الرومي الذي كان يهدّد المسلمين حتى في حياة رسول الله (ص). وقد جهّز أبو بكر جيشاً بقيادة اسامة لحرب الروم بعد فراغه من أهل الردة، وقال عنه: إنّه تأسّياً بالرسول (ص) أكثر من كونه دفعاً للخطر، رغم أنّ هذا الخطر كان محدقاً بالمسلمين[٢].
خلافة عمر:
توفي أبو بكر في مثل هذه الظروف، وأوصى بعمر خليفة على المسلمين، واستقرت لعمر الخلافة لنفس الدلائل التي استقرت فيها على سلفه. وكانت الامّة ترى بأن الخليفة لا يدير سوى شؤونها الدنيوية، فدخل عمر الميدان بعد أن وافق على أداء هذا الدور. وثمة أسباب كثيرة تكمن وراء القبول به دون أن ترافق ذلك أية ضجّة، بعضها يعود إلى الظروف التي كانت سائدة آنذاك وإلى تجربة خلافة أبي بكر، وبعضها إلى شخصيته وخصائصه[٣]، دون أن تلعب المنزلة الدينية أيَّ دور
[١] - كانت الحروب المستمرة تشغل المسلمين يوم ذاك، ففي تلك الفترة انصرفوا لقتال الروم والفرس. راجع الملل والنحل: ١/ ١٨.
[٢] - كنز العمال: ٥/ ٦٥٨، وكذلك: العواصم من القواصم: ٤٥. وانظر في هامش الصفحة المشار إليها وثائق هذه الواقعة والنقل المختلف حولها.
[٣] - حقيقة الأمر: أنّ خلافة عمر لم تستقرّ دون مشاكل، يقول ابن قتيبة:« ثم إنّ أبا بكر عمل سنتين وشهوراً، ثم مرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه اناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فيهم عبد الرحمن بن عوف، فقال له: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله، فإني أرجو أن تكون بارئاً؟ قال: أترى ذلك؟ قال: نعم، قال أبو بكر: والله إني لشديد الوجع، ولِما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي، إني ولّيت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له، وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت ...». الإمامة والسياسة: ١/ ١٨، شرح ابن أبي الحديد: ٢٠/ ٢٣، الملل والنحل: ١/ ٢٥.
ويذكر ابن أبي الحديد المعارضة الصريحة لطلحة ويقول:« ... ولقد قال له طلحة لما ذكر عمر للأمر: ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده وقد ولّيت عليهم فظّاً غليظاً؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أجلسوني، بالله تخوفني! إذا سألني قلت: ولّيت عليهم خير أهلك؛ ثم شتمه بكلام كثير منقول». نفسه: ٢٤.
وثمة آخرون احتجّوا على استخلاف عمر غير طلحة حسب الروايات الواردة في كنز العمال في هذا الباب. ففي رواية عن أحد الصحابة: أنّ عبد الرحمن بن عوف وعثمان دخلا على أبي بكر، وسمع بعض أصحاب النبي بدخولهما على أبي بكر وخلوتهما به، فدخلوا عليه واعترضوا على استخلاف عمر بسبب غلظته. كنز العمال: ٥/ ٦٧٥. وفي رواية اخرى أنه لما عهد أبو بكر الخلافة إلى عمر دخل عليه طلحة وقال: أنا رسول من ورائي إليك، يقولون: قد علمت غلظة عمر علينا في حياتك فكيف بعد وفاتك ...؟ نفسه: ٦٧٨.
« وكان أول كلام تكلم به عمر أن قال: اللهم إني غليظ فليّني وإني ضعيف فقوّني، وإني بخيل فسخّني». نفسه: ٦٨٤. وخطبته تعزّز الرأي القائل بوجود هذه الاعتراضات والاحتجاجات ضده، وأنها كانت ذات طابع عام.
وبطبيعة الحال هناك عوامل اخرى تدخلت، يقول ابن أبي الحديد:« ... قال أبو بكر في مرض موته أيضاً للصحابة: فلمّا استخلفت عليكم خيركم في نفسي فكلكم ورم لذلك أنفه، يريد أن يكون الأمر له، لما رأيتم الدنيا قد جاءت، أما والله لتتخذن ستائر الديباج ونضائد الحرير». شرح ابن أبي الحديد: ٢٠/ ٢٤.