الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٨٢ - تنافس قبلي
ثمة عوامل اخرى كان لها دور في الموضوع، لعلّ من أهمها: الأخطار التي كانت تكشّر عن أنيابها من خارج مجتمع المدينة، ومنها خروج أهل الردّة والاضطرابات الناجمة عنه بين القبائل القاطنة جنوب الجزيرة العربية ووسطها التي كانت تهدّد المدينة نفسها تهديداً حقيقياً (والمراد من أهل الردة اولئك الذين أعرضوا عن الإسلام وكانت في نيتهم مهاجمة المدينة، وليس اولئك الذين أطلق عليهم هذا اللقب لمعارضتهم خلافة أبي بكر).
والخطر الثاني الذي كان يحدق بالمدينة هو خطر الروم والفرس، إذ كان الخطر الأول خطراً عظيماً وحقيقياً. أدّت هذه المخاطر إلى أن تتّجه الأنظار إلى الخارج وتنسى الخلافات الداخلية مؤقتاً على الأقل لينصرف المسلمون للدفاع عن كيانهم ووجودهم. ويكفي لمعرفة الأوضاع المضطربة آنذاك ما قيل من استشهاد أكثر من (١٢٠٠) مسلم بينهم عدد كبير من القراء وحفظة القرآن في مواجهة الردة[١]، ويتجسد في الذهن الوضع القلق للمسلمين لو استحضرنا عددهم الكلّي يوم ذاك[٢].
وقد قُضي أيام خلافة أبي بكر على تمرّد أهل الردّة، واستقرّت الأوضاع في الجزيرة العربية، بيد أن الأخطار الخارجية المتأتّية من القوّتين الكبريين كانت تؤرّق
[١] - استشهد في اليمامة ألف ومائتي مسلم بينهم ثلاثة وعشرون من قريش وسبعون من الأنصار.[ التنبيه والإشراف: ٢٤٨]. قال عمر لأبي بكر بعد معركة اليمامة التي قتل فيها أخوه زيد ابن الخطاب:« إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تجمع القرآن». العواصم من القواصم: ٦٧.
[٢] - حول المرتدين الذين أعرضوا عن الإسلام وشكّلوا تهديداً حقيقياً على المدينة راجع البحث المفصل والمنقح في كتاب مويرMuir ,The Caliphate ,pp .١١ -٠١٤ .
وكذلك: التنبيه والإشراف: ٢٥٠ ٢٤٧.