الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٧٢ - نظرة إلى تاريخ صدر الإسلام
في هذا الموضوع.
فأهل السنّة يسبغون شأناً دينياً بل قدسية إلهية لتاريخ العصر الأول لصدر الإسلام، وإلى نهاية الخلافة الراشدة على الأقل، وينبغي بنا أن نعرف كيف ظهرت هذه العقيدة؟ ومتى ولِمَ ظهرت؟ وما هو تأثيرها على الفهم الديني ولاسيما الفكر السياسي والتطورات الاجتماعية والتاريخية للسنّة؟
واقع الأمر أنّ تاريخ الإسلام الذي يبدأ بعد رحيل النبي (ص) وينتهي بالخلافة الراشدة والذي يُجمع السنّة على أهميته لم يكن يمتاز بقيمة دينية خاصة عند المسلمين الأوائل، بل لم يكن يختلف عن غيره من الأزمان، وقد نشأت هذه العقيدة بسبب الأحداث التي وقعت فيما بعد.
بعبارة ثانية: تَحقّق تاريخ هذه المرحلة بصورة معينة وبات يُنظر إليه فيما بعد بصورة اخرى مختلفة، وقد تكوّن الفهم الديني والفكر السياسي لأهل السنّة على أساس هذه النظرة، لا على ما تحقق وحصل فعلًا. لنر الآن كيف وقع هذا الأمر؟ وما هي المراحل التي طواها؟ وإلى أين انتهى؟ بل لِمَ حصل أصلًا؟
لإضاءة جوانب البحث فنحن مضطرون إلى دراسة كيفية تحقّقه أولًا، ثم نتناول بعدها كيفية ظهور هذه النظرة والعقيدة.
يكمن أساس القضية فيما ذكرناه من أنّ تلك الفترة لم يكن أيّ شأن أو شخص يمتاز فيها بقداسة خاصة سوى مقام النبوة وشخص الرسول (ص)[١]، إلا
[١] - حقيقة الأمر أن رسول الله( ص) أيضاً لم يكن يحاط بتلك الدرجة من الاحترام والقداسة من قبل عامة الناس، لاسيما من قبل قريش، وذلك ما يستنتج من تعاملها معه، ولم تكن نظرتها إلى الرسول( ص) تساوي نظرة سائر المسلمين إليه، وترى أنّ شأنه ومنزلته أدنى بكثير من الحد الأدنى الذي كان يجمع عليه المسلمون آنذاك، والرواية التالية خير مثال على ذلك: يقول عبد الله بن عمر: إنّه كان يدون كل ما يسمعه عن الرسول( ص) ليحفظه، فمنعته قريش عن ذلك متذرّعة بأنّ الرسول لا يعدو كونه إنساناً كغيره قد ينطق عن غضب، فامتنع عبد الله عن الكتابة وأخبر الرسول( ص)، فأشار( ص) إلى فمه وأقسم له بأنه لا يخرج منه إلا الحق.
انظر: مسند أحمد: ٣/ ١٦٢.
والمثال الآخر هو اعتراض ذي الخويصرة على النبي( ص) واتهامه إياه بعدم مراعاة العدل. الملل والنحل: ١/ ١١٦. وثمة أمثلة اخرى كثيرة تؤكد هذه الحقيقة، لكن المسلمين فيما بعد رفعوا من مستوى اعتقاد مسلمي صدر الإسلام ولا سيما قريش بالرسول( ص) بما ينسجم مع تصوراتهم له، أي أنهم قالوا: إن هؤلاء صحابة الرسول ولابدّ أن تكون عقيدتهم به بهذا المستوى، ولم يكن مهماً معرفة المستوى الذي كان عليه هذا الاعتقاد عملياً، ومن الطريف في الأمر أن قريشاً حظيت فيما بعد بأرفع الدرجات لدى مسلمي الأجيال الاخرى؛ لأنهم اعتقدوا بأنها كانت الأقرب والأوفى للرسول( ص). انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: ١٥٥ ١٥٠، وكنز العمال: ١٣/ ٣٦ ٢٤.