الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٣٠ - آراء متباينة
الشيعة ولزوم تقليد المجتهد الحيّ، على عكس أهل السنّة، وكنتيجة طبيعية ومنطقية لذلك يُلزَم الجمهور الشيعي الرجوع إلى المجتهد في" الحوادث الواقعة" وكل جديد في جميع المجالات، والاستعلام عن رأيه فيه وإطاعته. أمّا العالم السنّي فهو لا يتعدّى كونه ناقلًا للفتوى، وهي فتوى يتجاوز عمرها الألف سنة. فالعالم الشيعي إمّا أن يُدلي برأيه الخاص، أو ينقل رأي المجتهد الحيّ على الأقلّ؛ لذلك تختلف الشخصية والبنية النفسية لدى من بلغ مرحلة الاجتهاد والإفتاء عمّن ينقل الفتوى كآخر مرحلة يبلغها، وتبعاً لذلك تختلف الشخصية والبنية النفسية لمن يرجع إليهما في اموره. وإذا لم يكن في الماضي مجال لبروز هذا التباين بسبب انغلاق المجتمعات الإسلامية ولا سيما المجتمعات الدينية في بلاد المسلمين وبطء التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فإن المجال قد فُسح لها لتظهر في هذا العصر، بمعنى أن هذا الاختلاف لم يكن طارئاً وجديداً، وإنما يمتدّ بعمر المذهبين، غاية الأمر أنه خرج الآن من حالة الكمون وتجلّى على الصُعد الاجتماعية والسياسية.
فضلًا عن ذلك، فإن الكثير من الامور التي يراها أهل السنّة أنها من اختصاص الحاكم يُرجعها الفقه الشيعي إلى الفقيه، ولا ينطوي هذا الموضوع على بعد سياسي بحت، فإن بعده الاجتماعي هو الأقوى والأهم، حيث يتمتع العالم الشيعي بالصلاحيات اللازمة ويراجعه الجمهور في شؤونه، لهذا يصبح مطاعاً من قبل الجمهور الذي يرى في هذه الطاعة فريضة دينية، وهذا ما لم يجرِّبه مجتمع أهل السنّة طوال تاريخهم ولم يستطع أن يجرّبه، ومن المستبعد جداً أن يجرّبه في المستقبل[١].
[١] - الحقيقة أن علماء الدين الشيعة والسنّة يخضعون لتأثير نوعين من الظروف الاعتقادية والتاريخية والفكرية والاجتماعية والسياسية المختلفة، وينطبق هذا الكلام خاصة على القرون الأخيرة لا سيما في المرحلة المعاصرة. فالمؤسسة العلمائية عند الشيعة مؤسسة مستقلة ليس فقط اقتصادياً وتنظيمياً كما يقول البعض، بل المهم في ذلك أن الجمهور والسلطة معاً كانا يعترفان طوال التاريخ باستقلالية هذه المؤسسة، وهو ما كانت تعتقد به المؤسسة نفسها والمجتمع الشيعي، أو المجتمع الإيراني على الأقل بما لا يمكن تجاوزه وتجاهله. فقد نشأ المجتمع الإيراني ومنذ العهد القاجاري على الأقل فما بعد بشكل كان يحتاج باستمرار لمراجعة هذه المؤسسة ولا سيما في الامور التي ترتبط بعامة الناس، حتى يمكن القول: إنّ حاجة المجتمع لهذه المؤسسة فاقت حاجة المؤسسة إلى المجتمع، فلأسباب عديدة كانت حاجة الناس قائمة لهذه المؤسسة، ولا نبالغ لو قلنا بأن المؤسسة العلمائية هي في الحقيقة تحقق مادي للحاجات العاطفية والنفسية والدينية للجمهور الإيراني، ولهذا استمرّ وجودها حتى يومنا هذا رغم كثرة المشاكل الداخلية والخارجية. وكانت هذه المؤسسة أكبر مسند عاطفي وأخلاقي للشعب طوال القرنين أو القرون الثلاثة الماضية على أقل تقدير. ولم تنحصر رغبة الناس في مراجعة هذه المؤسسة لطرح قضاياها الخاصة وحسب، بل كانت تراجعها أثناء الشدة وحلول المصائب وتبحث لديها عن حلّ لمشكلاتها.
ويطول بنا المقام لو أردنا إجراء دراسة كاملة لهذا الموضوع، لهذا نختصر ونقول: إنّ المؤسسة العلمائية والمرجعية عند الشيعة هي على الشاكلة التي ذكرنا مما لا يوجد وربما لا يمكن أن يوجد مثلها بين أهل السنّة، لا في العوامل المؤدية إليها ولا في التجارب التاريخية، فلهم مبادئهم الاعتقادية الخاصة بهم وتجاربهم الفردية والجماعية وتأريخهم، والعالم السنّي لا يعدو كونه متخصصاً في المسائل الإسلامية والفقهية، أي أنها مهنة لا تختلف عن غيرها من المهن التي يعمل بها الناس، والعالِم بدوره يعمل في مجال إمامة الجماعة والجمعة ومطالعة المسائل الدينية والفقهية، وبالتالي فإن الجمهور لابدّ أن يراجعه فيها.
للأسف، فإن تحولات المرحلة الأخيرة وإصلاح النظام التعليمي أدى بالمؤسسة العلمائية السنية إلى أن تصبح مؤسسة حكومية رسمية متغربة تماماً مما أبعدها أكثر فأكثر عن الجمهور.
وللشيخ كُشك وهو خطيب مصري معروف ذو شعبية واسعة خطبة بتاريخ ١٩ نيسان ١٩٨١ يوجه فيها كلامه إلى علماء الأزهر وغيرهم، ويشير إلى الضربة التي تلقاها الأزهر عام ١٩٦١ تحت واجهة الإصلاح، وينتقد ما آل إليه الوضع التعليمي فيه، انظر كتاب بيامبر وفرعون: ٢٢٢ ٢١٩.
ولكن رغم كل هذه الانتقادات وغيرها لابدّ أن نذعن بأن العالم السنّي قد ابتعد عن الحياة الاجتماعية والسياسية الفعالة دون إرادة منه، وولّدت هذه الحالة مشاكل كثيرة لا سيما في المجتمعات السنية الملتزمة، ويعود إليها السبب الرئيسي لانحراف الحركات الإسلامية في هذه المجتمعات. ولابدّ أن نؤكد هنا بأن هذا التنائي هو نتيجة طبيعية وقسرية للوضع السابق أكثر من كونه إرادة واعية أو تهرباً من المسؤولية؛ ذلك لأنّ هذه القضية ليست قضية الساعة، وأنها لم تتولد في ظروف القرن الأخير، وإنما تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ.
والطريف في الأمر أن ينبري شخص ذو ميول معادية للشيعة كرشيد رضا ليثمِّن بصراحة الدور المؤثر والفعّال لعلماء الشيعة وجهودهم لحفظ إسلامية المجتمع، ويحضّ علماء مذهبه على القيام بدور مماثل، راجع: انديشه سياسي در اسلام معاصر( الفكر السياسي في الإسلام المعاصر): ١٤٢ ١٤١.
وحول تكوين العلماء السنّة ودورهم طوال التاريخ الإسلامي لاحظ المقالة الممتعة( العلماء) في كتاب:
Gibb and Bowen, Islamic Society and the West, pp. ١٨- ٣١١.
وانظر أيضاً الكتاب المهم: الإسلام بين العلماء والحكام، لعبد العزيز البدري.
وعن انتقاد علماء الدين من قبل التقدميين والمتجددين انظر كمثال انتقادات أحد المثقفين الملتزمين في العالم العربي خالد محمد خالد في كتاب: الشيعة في الميزان لمغنية، ٣٧٨ ٣٧٥ وكذلك انتقاد أحد المثقفين العلمانيين العرب أحمد بهاء الدين في كتاب: الإسلام والخلافة في العصر الحديث: ١٨- ٣٤.
وللاطلاع على تقويم حيادي حول دور علماء الدين ولا سيما في حماية التراث الأدبي العربي راجع: من حاضر اللغة العربية: ٢٤ و ٢٥.