الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٨٤ - اعتراضات معاصرة
يفهم الدين بهذه الصورة وعلى ضوء هذا الفهم أخذ يفسّره. ولا شك في أن الكثير اضطلع بمهمة ترويج هذه الفكرة: إمّا عن سوء نية، أو لمطامع دنيوية والتقرب من السلطان، لكن لا يُنكر وجود آخرين اعتقدوا بهذه الفكرة للدلائل التي أتينا عليها[١].
مهما يكن من أمر فإن هذه المبادئ عند الشيعة تبلورت بصورة اخرى، ولم يكن المذهب الشيعي يفكر ويخضع إلا وفق ضوابط قيمه ومعاييرها، أي أنه لا يرى أن السبيل الوحيد لحماية الدين وحفظه هو تسويغ الوضع الموجود وعدم المسّ بالسلطة الحاكمة أو العمل على تكريسها كما يعتقد بذلك بعض أهل السنّة، بل اعتقد المذهب الشيعي وعلى الأقل في مقاطع من التاريخ وعمل بعكس هذه الفكرة، ولهذا لم يكن يعترف بالوضع الموجود إلا بعد انطباقه مع هذه الضوابط. أو أنه كان لا يعترف رسمياً بالنظام الحاكم ولا يقف بوجهه حينما تتطلب الظروف ذلك ويتوقف حفظ الدين وحمايته على عدم معارضة السلطة[٢].
[١] - تأمل في هذه الفقرة لابن تيمية:« روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو: أن النبي( ص) قال: لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا عليهم أحدهم. فأوجب( ص) تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض. ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان. والتجربة تبين ذلك.
ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان». السياسة الشرعية: ١٣٨١٣٩. انظر أيضاً طبقات الحنابلة: ٢/ ٣٦.
[٢] -« فدولة الفاطميين والبوهيين والحمدانيين والإيرانيين كلها زمنية في عقيدة الشيعة لا تمتّ إلى الدين بصلة». الشيعة والحاكمون: ٧.
« ... ولذلك فإن أية تصرفات من قبل اولئك الحكام المنتسبين إلى الشيعة لا علاقة بها ولا دخل لها بعقائد الشيعة، وأن الشيعة لا يرون أية علاقة ارتباطية بينهم وبين اولئك الحكام، وأن أية تصرفات خاصة أو عامة صدرت منهم هي تصرفات شخصية، وإن كانت مطابقة للقرآن والسنّة فهي تصرفات صحيحة، وإلا فإنهم آثمون عليها. ولذلك فإن الشيعة يتنصّلون من أية مسؤولية ترد نتيجة تصرفات اولئك الحكام. وبالنظر لأن عامل السياسة لا يمكن فصله عن عامل الدين، وأنها تتمثل في الأئمة الاثني عشر المعصومين لذلك فإن الفكر السياسي الشيعي لا يمكن أن يخرج عن نطاق آراء وتصرفات اولئك الأئمة، ويمكننا أن نطّلع على واقع الفكر السياسي الشيعي من متابعة آراء وتصرفات اولئك الأئمة في القضايا السياسية، وأنّ أية صور أو مظاهر للآراء والتصرفات التي صدرت من الشيعة إن كانت مطابقة لتعاليم اولئك الأئمة فهي جزء من الفكر السياسي الشيعي، وإلا فإنها منحرفة كلياً أو جزئياً عن ذلك الفكر». الفكر السياسي الشيعي: ٢٧٠، وللمزيد من الاطّلاع راجع الصفحات ٢٦٨٢٧١.