الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٦٣ - حفظ النظام
حفظ النظام يحظى بالأهمية قبل كل شيء، فيما تظافرت الامور الاخرى لتعزيز هذه الفكرة، أو أنها استقرت على الهامش وأصبحت ذات أهمية ثانوية. ولا شك في أن مثل هذه الفكرة تحبط أي نوع من الاعتراض، سواء بدعوى تحقيق العدالة أو العودة إلى سنّة الرسول (ص) ومواجهة البدعة. من هذه النظرة لم تَعِد المسألة الأساسية هي التمييز بين الحق والباطل، وإنما ينبغي للجميع أن يهبَّ لخدمة النظام وحمايته وتعزيز أركانه، وما سواه شقّ لعصا المسلمين ومروق عن الدين، وغاية ما يمكن للمرء أن يفعله هو الإنكار القلبي ليس إلا، بمعنى أنّ على المسلم أن ينكر في قلبه بدعة الحاكم، بيد أنه لا يستطيع أن يترجم إنكاره القلبي إلى فعل، لأن الاعتراض على الحاكم يشق عصا المسلمين، والحكاية التالية تكشف بوضوح عن هذه الحالة:
«اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله (ابن حنبل) وقالوا: هذا أمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهار الخلق للقرآن نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته الخليفة العباسي الواثق ولا سلطانه. فقال: عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من الطاعة، ولا تشقّوا عصا المسلمين»[١].
لم يكن رأي ابن حنبل هذا صادراً بسبب ركونه إلى السلامة والعافية أو بسبب موقفه المعتدل، فهو بطل المرحلة الصعبة التي عُرفت فيما بعد بأيام المحنة، وكان من أبرز معارضي فكرة خلق القرآن، واستقام على رأيه إلى الحد الذي تعرَّض فيه للضرب والإهانة والسب، وجلد بالسوط في عهد المعتصم حتى كاد أن يموت. إذن فابن حنبل كان يفكر بهذه الطريقة ويوصي بما يعتقد به حقاً، وليس طلباً للعافية[٢]. ويعود سبب تفكيره بهذه الصورة إلى الاسس الفقهية والكلامية
[١] - الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ٢١، الخلافة والإمامة: ٣٠٠.
[٢] - عن أيام المحنة والمشاق التي تحملها ابن حنبل ونظراؤه انظر: الأئمة الأربعة: ٤/ ١٤٠١٨٠، والخلافة والإمامة: ٣٠٠٣٠٩، والفصل الجذاب عن العلماء والمحن التي لاقوها من لدن الحكام في كتاب: الإسلام بين العلماء والحكام: ١٢٩٢١٤، وكذلك: مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي: ٣٩٧٤٢٠.