الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢١٥ - أمثلة تاريخية
ولكن لم ينفذ هذا الأمر كما هو معلوم بعد أن وقفت أمامه العقيلة زينب (عليهاالسلام).
وحصل حوار مماثل في مجلس يزيد، فقد التفت يزيد إلى السجاد (ع) وقال: كيف رأيت صنع الله يا علي بأبيك الحسين؟ قال: رأيت ما قضاه الله عز وجلّ قبل أن يخلق السماوات والأرض! وشاور يزيد من كان حاضراً عنده في أمره فأشاروا عليه بقتله! فقال زين العابدين (ع): يا يزيد، لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار به جلساء فرعون عليه حين شاورهم في موسى وهارون فإنهم قالوا له: أرجِه وأخاه ولا يقتل الأدعياء أولاد الأنبياء وأبناءهم، فأمسك يزيد مطرقاً.
ومما دار بينهما من الكلام أن قال يزيد لعلي بن الحسين: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. قال علي بن الحسين: ما هذه فينا نزلت إنما نزل فينا: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، فنحن لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا[١].
لقد أراد يزيد وابن زياد أن يوحيا بأن ما جرى على الإمام الحسين (ع) وأصحابه كان مقدراً له من قبل الله وليس من قبل الحاكم الذي لم يكن إلا وسيلة لتحقيق المشيئة الإلهية! فلم يكن ليزيد وابن زياد وجيشه يد في استشهاد الإمام الحسين (ع)، وإنما هو الله الذي قتلهم، ولكن لماذا؟ لسبب أعماله التي استحق عليها هذا الجزاء!
المهم في كل ذلك أن تبرأ ساحة الحاكم تماماً وتُلقى المسؤولية كلها على الله تعالى. وبهذا يحصل الحاكم على القدرة والحصانة المطلقة؛ لأن كل أعماله وسلوكه إنما هو تجَلٍّ للإرادة الإلهية الحقة، ولا يمكن تغييرها ونقدها. وكان هذا هو التفسير
[١] - انظر مقتل الحسين: ٤٥٢، ومنتهى الآمال: ١/ ٣٥٧.