الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٠٨ - نظرة العرب القدماء إلى الكون
بصورة جادة لوجود الأرضية اللازمة[١].
[١] - حول التغلغل المؤثر لعلماء اليهود والنصارى لا سيما من قبل اولئك الذين أعلنوا إسلامهم في أفكار ومعتقدات مسلمي الصدر الأول، راجع: الملل والنحل للُاستاذ السبحاني: ٧١٩٦. وعن اسطورة حب معاوية وإشاعتها انظر مروج الذهب: ٣/ ٣٩.
حقيقة الأمر أن الذهنية البسيطة والثقافة الواطئة لعرب الصدر الأول، والأسئلة الكثيرة التي اثيرت في أذهانهم بمجيء الإسلام وتماسهم مع مختلف الأقوام والشعوب، والطبيعة الحساسة لعلماء أهل الكتاب وهالة الاحترام التي تحيطهم منذ العصر الجاهلي، كل هذه العوامل وفّرت أفضل أرضية لتغلغلهم بين المسلمين. ينتبه ابن خلدون إلى هذا الأمر ويشير إليه بذكاء وهو يتحدث عن تفاسير القرآن، ويقول:« ... وصار التفسير على صنفين: تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي، وكل ذلك لا يُعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين، وقد جمع المتقدمون في ذلك واوعوا، إلا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك: أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والاميّة، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حِميَر الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلّق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبارٌ موقوفة عليهم وليست مما يرجع على الأحكام فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعُد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتُلُقِّيت بالقبول من يومئذ ...». مقدمة ابن خلدون: ٤٤٠.
انظر أيضاً:
Goldziher, Muslim Studies, vol II, pp. ٢٥١- ٩٥١.