الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٠٧ - نظرة العرب القدماء إلى الكون
المستشرقين أن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك».
في مثل هذه البيئة ينمو وينتشر المذهب الجبري بصورة طبيعية دون أن يستلزم الأمر إلى من يقوم بنشره وإشاعته؛ ذلك أن أي فكر سوى الفكر الجبري لا يحالفه حظ التقدم والتأثير على مثل هذه الأرضية، فقد تبلور التكوين الذهني والنفسي للناس بشكل أضحى يخضع لكل شيء منزوع من الدليل والبرهان، وهذا هو سبب انتصار الأشاعرة وأهل الحديث وأنصار الجبر وتخطئة العقل، وعلل ذلك اجتماعية ونفسية وثقافية وتربوية قبل أن تكون سياسية، فقد حققوا انتصارهم النهائي في وقت كانت السلطة السياسية تعاني من الضعف والتشتت، ولم يأتِ هذا الانتصار بدعم من القدرة الحاكمة أو السلطة الإعلامية والدينية لها، وبالتالي فإن المجتمع الذي كان يستهويه الجبر تغلّب على أنصار العقل والإرادة والحرية وليس الحكام المروِّجين لهذه الفكرة.
لكن هذا لا يعني بأن الجبرية كانت في الفترة الجاهلية مذهباً فلسفياً وكلامياً قائماً بحدّ ذاته ينطوي على اسس ومبادئ منقحة ومدونة كما هو الحال في القرون التالية، بل كان عقيدة جماعية شاملة بحيث تبلور تحت تأثيرها التكوين النفسي والاعتقادي وحتى الاجتماعي والسياسي للعرب، ولابد من الإضافة هنا بأن هذه العقيدة انطمرت لفترة تحت الظروف الاجتماعية والسياسية التي جاء بها الإسلام أثناء عنفوانه وانتشاره، ولما توقفت الفتوحات الإسلامية ودخلت الشعوب والأقوام الاخرى تحت لواء الدولة الجديدة تهيّأت الأرضية ثانية لعودة هذه العقيدة، لا سيما وأنه كانت للمسلمين الجدد في هذا المجال تجارب كثيرة وأفكار مدونة منتظمة، وتزامنت هذه العودة مع فترة سيطرة معاوية لتبدأ من هذه المرحلة بالذات