الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٠٤ - مسألة القضاء والقدر
خرافات وأساطير كانت العرب تعتقدها في جاهليتها ... وهذا يعلّل لنا التجاءهم في تعرّف الحوادث الماضية والمستقبلة إلى الكهانة والعرافة وزجر الطير والعيافة ...
نعم، كل امة فيها مخرّفوها مهما رقيت ومهما تفلسفت، ولكنّ كتب الأدب العربي تدلنا على أن هذه العقائد كانت عقائد الشعب عامة لا أفراد شواذ، وأن الكهانة وأمثالها تكاد تكون نظاماً مقرراً لكل قبيلة من قبائلهم.
قد نجد في بيت من الشعر الجاهلي أو في مَثَل من أمثالهم أو قصة من قصصهم فكرة راقية، وربطاً للأسباب والمسببات، ولكن حتى هذه يعوزها العمق في التفكير، كما يعوزها الشرح والتعليل. جاء في سيرة ابن هشام: أنّ حيّاً من ثقيف فزعوا للرمي بالنجوم، فجاؤوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن امية أحد بني علاج وكان أدهى العرب وأمكرها رأياً فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟
قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طيّ الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوماً غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراده الله بهذا الخلق، فما هو؟»[١]
الغريب أن بعض العرب المعاصرين الذين ترعرعوا في ظل تراثهم القديم وحافظوا عليه يعتقدون بمثل هذه القضايا، ويتنفسون في مثل هذه الأجواء، فقد كتبت الصحافة قبل مدة أن شيخ الإفتاء في العربية السعودية عبد العزيز بن باز أخرج شيطاناً من باطن أحد العرب ثم أسلم الشيطان على يديه![٢]
[١] - فجر الإسلام: ٣٩٤٠، نقلًا من سيرة ابن هشام.
[٢] - السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: ٩٥. يعتبر هذا المصنف الذي كتبه أحد أكبر العلماء المتفتحين وأشهرهم( محمد الغزالي) أفضل مثال لتوضيح الاختلاف بين فهم الكاتب ومن يفكر على نمطه للإسلام وفهم العلماء السلفيين والوهابيين له، وهذه الملاحظة تضفي على الكتاب أهمية خاصة أكثر مما تضفيه بقية محتوياته، وضمّن المؤلف كتابه حواراً جرى بينه وبين أحد الطلبة السعوديين عندما كان يُدرّس في جامعة عبد العزيز بمكة حول حِلّية الغناء وحرمته:« ... ثم أقبلت عليه بجدٍّ أقول له: إن الإسلام ليس ديناً إقليمياً لكم وحدكم، إنّ لكم فقهاً بدوياً ضيق النطاق! وعندما تضعونه مع الإسلام في كفة واحدة وتقولون: هذه الصفقة لا ينفصل أحدها عن الآخر فستطيش كفة الإسلام وينصرف الناس عنه. وهذا ظلم كبير لرسالات الله وهداياته!!»: ص ٧٥٧٦.