الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٨٣ - الفهم التاريخي لدى عبد الرازق
رفضوا الإذعان لحكومة أبي بكر، كما رفض غيرهم من جلّة المسلمين، فكان بديهياً أن يمنعوا الزكاة عنه، لأنهم لا يعترفون به، ولا يخضعون لسلطانه وحكومته.
كم نشعر بظلمة التاريخ وظلمه، كلما حاولنا أن نبحث جيداً فيما رواه لنا التاريخ عن اولئك الذين خرجوا على أبي بكر، فلُقِّبوا المرتدين، وعن حروبهم تلك التي لقّبوها حروب الردّة.
ولكن قبساً من نور الحقيقة لا يزال ينبعث من بين ظلمات التاريخ، وسيتجه العلماء يوماً نحو ذلك القبس، وعسى أن يجدوا على تلك النار هدى»[١].
«فشا بين المسلمين منذ الصدر الأول، الزعم بأن الخلافة مقام ديني، ونيابة عن صاحب الشريعة عليه السلام.
كان من مصلحة السلاطين أن يروجوا ذلك الخطأ بين الناس، حتى يتخذوا من الدين دروعاً تحمي عروشهم، وتذود الخارجين عليهم، ومازالوا يعملون على ذلك من طرق شتى وما أكثر تلك الطرق لو تنبه لها الباحثون حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، ثم ما كان الخلفاء يكتفوا بذلك، ولا يرضوا بما رضي أبو بكر، ولا ليغضبوا مما غضب منه، بل جعلوا السلطان خليفة الله في أرضه، وظله الممدود على عباده. سبحان الله تعالى عما يشركون.
ثم إذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت جزءاً من عقائد التوحيد، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام، ويلقّنه كما يلقّن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
[١] - المصدر نفسه: ١٧٨. وقد أجمع أهل السنّة على أحقية حرب أبي بكر في تعيين الزكاة وترتبت على ذلك الإجماع أحكام فقهية كثيرة. انظر: فقه السنّة للسيد سابق: ١/ ٢٩٣ ٢٨٧.