الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٢٦ - التحول في فهم الدين
الملاحظة الاخرى التي يجب أن نضيفها هنا هي: أن كلّ إنسان مؤمن ومعتقد بعقيدة خاصة سواء كان مسلماً أو غير مسلم يتخذ جانب الحيطة والحذر فيما يتعلق بعقائده؛ لأن هذا الموقف هو ضرورة من ضرورات الالتزام بالدين ونتيجته، فإنما يتمسك الإنسان بالدين ويتحمل ضوابطه لنيل الفلاح الاخروي، وطالما كان الأصل هو النجاة والفلاح فإنه يفضّل الإيمان على العقل لدى تخييره بينهما، كما أن المسألة ليست في تضاد هذين الاثنين أو عدم تضادهما، وإنما هي مسألة كشف خصائص ذهن إنسان مؤمن وتفكيره وموقفه، فحينما يخيَّر بين عقيدتين ويرى إحداهما موافقة لموازين الشرع لأسباب معينة والاخرى منسجمة مع موازين العقل فإنه يرجّح الاولى على الثانية، والاحتياط الشرعي في مثل هذه الحالات لا يستسلم أمام الدقة العقلية أبداً[١].
وقد واجه المعتزلة مثل هذه المشكلة، وهي مشكلة يواجهها اليوم الكثير من المصلحين، وتُعدّ العامل المهم في الميل لاتخاذ المواقف المحافظة لدى الحركات التقدمية الإصلاحية الدينية، فرغم تفوّق عقائدهم على عقائد منافسيهم عقلًا ومنطقاً، وأكثر موافقة لموازين الشرع على الظاهر إلا أنهم خسروا الجولة أمامهم لسوء الظن بهم والناشئ عن حالة اللا ابالية لدى بعضهم، وعدم توافق آرائهم مع
[١] - لاحظ: حوار ابن حنبل والمعتصم في كتاب: رجال الفكر والدعوة في الإسلام لأبي الحسن الندوي: ١١٨١٢٠، ولاسيما كتاب: مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي: ٣٩٧٤٣٧، وفيه تفاصيل واسعة حول حواراته مع المعتصم والواثق.