الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٠٥ - الاضطراب النفسي
الإسلام، وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال: لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت، ثم عدت إلى نظري فعلمت أنه ليس من الحق، وأن الحق فيما رأيته أنت»[١]] فقال الإمام لعمّار: «دعه يا عمار، فإنه لم يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا، وعلى عمد لبّس على نفسه، ليجعل الشبهات عاذراً لسقطاته»[٢].
وينبغي أن نؤكد هنا: أن أمثال هؤلاء لم يكونوا يتحملوا وجود أي شخص آخر غير الإمام أيضاً، وسبب تحالفهم في معارضة الإمام أنه كان على رأس السلطة دون أن يستجيب لرغباتهم اللامشروعة، وكان هذا عاملًا كافياً لاتحادهم ومنع بروز تناقضاتهم إلى العلن على الأقل، إلا في بعض الحالات الحساسة التي كانت تتلاشى فيها هذه الوحدة وتظهر نزاعاتهم علانية[٣].
مهما يكن من أمر فإن علياً (ع) اضطر طوال فترة خلافته إلى مواجهة معارضيه الذين توسّلوا بالحرب، وكانت هذه الحروب نتيجة طبيعية لبروز سلبيات ظهرت أواسط أيام عمر ونمت تدريجياً فضلًا عن سابقتها التاريخية التي تعود إلى قبل الإسلام، وانتهت هذه المرحلة بشهادة الإمام وسيطرة معاوية على مقدّرات الامور[٤].
[١] - مقدمة ابن خلدون: ٢٠٨.
[٢] - شرح ابن أبي الحديد ٢٠/ ٨.
[٣] - يمكن ملاحظة أفضل مثال على هذه التوقعات اللامشروعة في مجادلات طلحة والزبير مع الإمام علي( ع). راجع: نقش عايشة در تاريخ إسلام( دور عائشة في تاريخ الإسلام): ٣٥٤١.
[٤] - لا شك أن أحد الأسباب الرئيسية للمعارضة التي واجهها الإمام علي( ع) أثناء تولّيه للخلافة هو الحقد القديم لقريش، وقد أشار الإمام( ع) إلى ذلك في مناسبات عديدة، منها: أنه ذكر مرة أن حقد قريش على الرسول( ص) انتقل إليه وسيُصوَّب ضد ذريته فيما بعد، وأكد أنه لم يقاتلها إلا طاعة لأمر الله ورسوله.
انظر: الشيعة والحاكمون: ١٧.
وقد أدرك الآخرون أيضاً هذا الأمر، فقد قال عمر للعباس يوماً: بأن الخلافة لو كانت قد وصلت إليه لما استطاع أن يتعايش مع قومه؛ لأنهم ينظرون إليهم نظرة البقرة إلى ناحرها. وللصحابي الجليل ابن التيهان قول في الإمام علي( ع) مانصّه:« يا أمير المؤمنين، إنّ حسد قريش إياك على وجهين، أمّا خيارهم فحسدوك منافسة في الفضل، وارتفاعاً في الدرجة. وأما أشرارهم فحسدوك حسداً أحبط الله به أعمالهم، وأثقل به أوزارهم، وما رضوا أن يساووك حتى أرادوا أن يتقدموك، فبعدت عليهم الغاية، وأسقطهم المضمار، وكنت أحق قريش بقريش، نصرت نبيهم حياً، وقضيت عنه الحقوق ميتاً، والله ما بغيهم إلا على أنفسهم، ونحن أنصارك وأعوانك ...». انظر: الفكر السياسي الشيعي: ٢٠٤٢٠٦، وراجع أيضاً آراء زياد بن الغم الشعباني المتوفّى عام( ١٥٦ ه-) والشعبي في هذا الباب نقلًا عن محب الدين الخطيب في هوامش كتاب: العواصم من القواصم: ١٦٩ ١٦٨.
والحق أن مخالفة قريش لم تنحصر بعلي( ع)، بل إنها كانت تشمل النبي( ص) أيضاً، كما يُلاحظ ذلك مراراً في أواخر عمره الشريف، فقد روى الشيخ المفيد عن الإمام الصادق( ع): أنه بلغ رسول الله( ص) عن قومٍ من قريش أنهم قالوا: أيرى محمد أنه قد أحكم الأمر في أهل بيته، ولئن مات لنعزلنّها عنهم، ولنجعلها في سواهم .. انظر: الأمالي: ١١٣.
وحول موقف قريش هذا وعلى رأسها أبي سفيان من بني هاشم حتى في عهد الرسول( ص) انظر رواية عبد الله بن عمر في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية: ١٥٥، وكذلك مخاطبة أبي سفيان لقبر حمزة عم الرسول( ص) في قاموس الرجال: ١٠/ ٨٩.