إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣١٢ - ملاقاة هارون إياه في مسجد الحرام
فلمّا كان المغرب حرمت عليه، فلمّا كان العشاء حلّت له.
فقال الرّشيد: فقد أوقعتني في بحر لا يخلصني منه غيرك.
فقال الأعرابي: أنت أمير المؤمنين و ليس أحد فوقك و لا ينبغي أن تعجز عن شيء، فكيف تعجز عن مسألتي، فقال الرّشيد: لقد عظم قدرك العلم و رفع ذكرك، فأريد أن تفسّر إليّ ما ذكرت إكراما لي و لهذا البيت الشريف. فقال الأعرابي: حبّا و كرامة.
أمّا قولي لك في رجل: نظر إلى امرأة وقت الصبح، فكانت عليه حراما، فهذا رجل نظر إلى أمة غيره فهي حرام، فلمّا كان الظهر اشتراها فحلّت له، فلمّا كان العصر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان المغرب تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان العشاء طلّقها فحرمت عليه، فلّما كان الفجر راجعها فحلّت له، فلمّا كان الظهر ارتدّ عن الإسلام فحرمت عليه، فلمّا كان العصر استتيب فرجع فحلّت له، فلمّا كان المغرب ارتدّت هي فحرمت عليه، فلمّا كان العشاء استتيب فرجعت فحلّت له.
قال: فتعجّب الرّشيد و فرح به و اشتدّ عجبه ثمّ أمر بعشرة آلاف درهم، فلمّا حضرت قال: لا حاجة لي بها ردّها إلى أصحابها قال: فهل تريد أن أجري لك جراية تكفيك مدّة حياتك قال: الّذي أجرى عليك يجرى عليّ قال: فإن كان عليك دين قضيناه، فلم يقبل منه شيئا ثمّ أنشأ يقول:
هب الدنيا تؤاتينا سنينا فتكدر تارة و تلذّ حينا فما أرضي بشيء ليس يبقى و أتركه غدا للوارثينا كأنّي بالتّراب عليّ يحثى و بالإخوان حولي نائحينا و يوم تزفر النيران فيه و تقسم جهرة للسّامعينا و عزّة خالقي و جلال ربّي لأنتقمنّ منكم أجمعينا فلمّا فرغ من إنشاده تأوّه الرّشيد و سأل عنه و عن أهله و بلاده، فأخبروه