إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣١١ - ملاقاة هارون إياه في مسجد الحرام
ثمّ قال له الرّشيد: و تربة آبائي و أجدادي إن لم تفسّر لي ما قلت أمرت بضرب عنقك بين الصّفا و المروة.
فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين اعف عنه وهبه للّه تعالى لأجل هذا المقام الشريف، قال: فضحك الأعرابي من قولهما حتّى استلقى على قفاه، فقال له الرّشيد:
ممّ تضحك؟ قال: عجبا منكما، فانّ أحدكما يستوهب أجلا قد حضر، و الآخر يستعجل أجلا لم يحضر.
فلمّا سمع الرّشيد ما سمع منه هانت عليه الدنيا ثمّ قال: سألتك باللّه إلّا ما فسّرت لي ما قلت فقد تشوّقت نفسي إلى شرحه.
فقال الأعرابي: أمّا سؤالك عمّا فرض اللّه عليّ، فقد فرض اللّه عليّ فروضا كثيرة، فقولي لك عن فرض واحد، هو دين الإسلام، و أمّا قولي لك عن خمسة فروض فهي الصلوات الخمس، و أمّا قولي لك عن سبعة عشر فهي سبع عشر ركعة في اليوم و اللّيلة، و أمّا قولي لك عن أربع و ثلاثين فهي السجدات، و أمّا قولي عن أربع و تسعين فهي التكبيرات، و أمّا قولي لك عن واحدة من أربعين فهي الزكاة دينار من أربعين دينارا، و أمّا قولي لك عن واحدة في طول العمر فهي حجّة في طول العمر على الإنسان، و أمّا قولي لك عن خمسة و مأتين فهي زكاة الورق.
فامتلأ الرّشيد فرحا و سرورا من تفسير هذه المسائل، و من حسن كلام الأعرابي و عظم فطنته، و استعظمه في عينه.
ثمّ إنّ الأعرابي قال للرّشيد: سألتنى فأجبتك، فإذا سألتك أنا تجيبني؟
فقال الرّشيد: سل، فقال له الأعرابي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل نظر إلى امرأة وقت الصباح، فكانت عليه حراما، فلمّا كان الظهر حلّت له، فلمّا كان العصر حرمت عليه، فإذا كان المغرب حلّت له، فإذا كان العشاء حرمت عليه، فإذا كان الفجر حلّت له، فإذا كان الظهر حرمت عليه، فلمّا كان العصر حلّت له،