فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٠ - مطارحة علمية حول نظريّة حقّ الطاعة الاُستاذ السيّد علي أكبر الحائري
ولا شكّ أنّ البراءة الشرعيّة ترخيص ظاهري في ترك الاحتياط ، فبوصول هذه البراءة الشرعيّة يزول موضوع حكم العقل بالتنجيز ، وهذا يعني أنّ المولى قد رجّح ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة عند الشكّ على ملاك الحكم الإلزامي المحتمل بالتصرّف في موضوع حكم العقل بالنحو المذكور .
وبالرغم من ذلك كلّه قام القائلون بحسن الاحتياط بترجيح ملاك الحكم الإلزامي المحتمل على ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة بدعوى حسن الاحتياط فيه الذي مرجعه إلى حسن البناء على ثبوت الحكم الإلزامي ، ولم يقل أحد منهم بحسن البناء على ثبوت الإباحة بدلاً عن حسن البناء على ثبوت الحكم الإلزامي ، فما هو السرّ في ذلك ؟
والجواب: أنّ حسن البناء على ثبوت الحكم الإلزامي لا يعني لزوم البناء عليه بل يعني حسنه فحسب ، وهذا الحسن ـ ما دام لم يورث اللزوم العقلي لا ينافي ملاك الإباحة الاقتضائيّة على تقدير وجوده ، فإنّ ملاك الإباحة الاقتضائيّة قد حُفظ تماماً على تقدير وجوده بحكم العقل بالتعذير بعد تدخّل الشارع في موضوع حكم العقل بالنحو المذكور ، ويمكن لهذا الحسن العقلي أن يحفظ ملاك الحكم الالزامي المحتمل على تقدير وجوده ـ حفظا نسبيّا طبع ـ من دون أن يضيع به ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة على تقدير وجوده ؛ وذلك لأنّ المكلّف لو بنى على ثبوت الحكم الإلزامي المحتمل وأطاعه احتياط بمحض اختياره وتبرّعه ـ أي بدون إلزامٍ عقلي بذلك ـ لحفظ به ملاك هذ الحكم على تقدير وجوده من دون أن يضيع به ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة على تقدير وجوده ، ولا شكّ في حسن ذلك عقلاً ، بخلاف العكس ؛ إذ لو بنى على ثبوت الإباحة ولم يتبرّع بالالتزام بالطاعة للحكم الإلزامي المحتمل لضاع به ملاك الحكم الإلزامي المحتمل على تقدير وجوده ، ولهذا قالوا بحسن الاحتياط تجاه الحكم الإلزامي المحتمل ، ولم يقل أحدٌ بحسن البناء على الإباحة .