فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨ - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ـ نظرة خاطفة آية اللّه الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض
وجودها ، ثمّ تطورت عصرا بعد عصر تدريجا إلى أن تبلورت هذه العملية في زمان الصادقين (عليهما السلام) بين جماعة من الرواة ، ووجدت بذرة التفكير الاُصولي في آفاق أذهانهم ، كما يظهر ذلك بوضوح من بعض الأسئلة الموجهة من قبل هؤلاء إلى الإمام (عليه السلام) ، كقول الراوي : « أفيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ » ، ونحو ذلك ؛ فإنّه يكشف عن وجود بذرة التفكير الاُصولي في مرتكزات ذهنه ، وهي حجّية خبر الثقة ، وهذا يعني : أنّ يونس بن عبد الرحمان إذا كان ثقة أمكن استنباط الحكم الشرعي من قوله بتطبيق القاعدة العامة عليه وهي حجّية خبر الثقة .
وإن شئت قلت : إنّ من راجع الروايات ونظر فيها يظهر له من مجموع الأسئلة فيها وجود بذرة التفكير الاُصولي في آفاق أذهان هؤلاء الرواة ومرتكزاتهم .
ثمّ إنّ هذه البذرة قد تطورت ونمت في عصر الغيبة تدريجا على ضوء تطور العمل الفقهي ونموّه وتوسعه بتوسع مختلف جوانب الحياة ونموها ، إلى أن انفصلت دراسة هذه البذرة عن الدراسة الفقهية وأصبحت دراسة علمية مستقلة وقائمة بنفسها ، وتسمى هذه الدراسة التي هي على صعيد البحث النظري بعد انفصالها واستقلالها عن الدراسة الفقهية التي هي على صعيد البحث التطبيقي ، بـ : « علم الاُصول » ، فالتسمية متأخرة .
وأمّا المسمى ـ وهو وجود البذرة ـ فولادته متزامنة مع ولادة العمل الفقهي ، ولا يمكن انفكاك النظر الفقهي عن النظر الاُصولي في أيّة مرحلة من مراحل وجوده ؛ للترابط الوثيق بينهما في تمام المراحل ؛ حيث إنّ عملية الاستنباط عملية ناتجة من الترابط بينهما ترابط العلم النظري بالعلم التطبيقي .