فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٤٧ - مطارحة علمية حول نظريّة حقّ الطاعة الاُستاذ السيّد علي أكبر الحائري
عليه أن ينظّم حكمه الواقعي أو الظاهري ثبوتا وإثباتا بنحوٍ لا يتمّ به موضوع حكم العقل بالتنجيز بل يتمّ نقيضه ، وذلك بإيصال الإباحة الواقعيّة أو الظاهريّة إلى المكلّف ـ مثلاً ـ بحيث ينتفي به انكشاف الحكم الإلزامي بأحد الوجهين في تفسير الانكشاف ، وإن لم يصنع ذلك بأيّ سببٍ من الأسباب فتمّ موضوع حكم العقل بالتنجيز ، حكم العقل بالتنجيز وضاع به ملاك الإباحة الاقتضائيّة على تقدير وجوده ، وليس ذلك بتقصيرٍ من العبد حتى يستحقّ عليه العقاب ، بل إنّما هو بسبب الموانع التي منعت المولى عن رفع موضوع حكم العقل بالتنجيز ، كالمانع التكويني عن إبلاغ المكلّف برفع يده عن الحكم الواقعي الإلزامي ، أو المانع التكويني عن إيصال الحكم الظاهري المؤمّن إلى المكلّف ، أو غير ذلك من الموانع .
وبما ذكرنا نتخلّص من مشكلة التزاحم الموهوم في عالم التنجيز والتعذير العقليّين بين ملاك الحكم الإلزامي وملاك الإباحة الاقتضائيّة (٨)سواء بنين على مسلك حق الطاعة أو على مسلك قبح العقاب بلا بيان .
وأمّا الخلاف بين هذين المسلكين فلا مرجع فيه سوى وجدان العقل العملي ، إذ قلنا منذ البداية : إنّ هذه المسألة وجدانيّة وليست برهانيّة ؛ لأنّ البراهين المدّعاة أو التي قد تدّعى لصالح مسلك قبح العقاب بلا بيان قد أبطله القائلون بمسلك حق الطاعة في المصادر المشار إليها في صدر هذا الحديث ، والقائلون بمسلك حقّ الطاعة لا يدّعون أيضا وجود برهانٍ منطقيّ لصالح مسلكهم ، فلا يبقى شيء سوى وجدان العقل العلمي ، وهو قاضٍ في رأين بصحّة مسلك حق الطاعة ، بمعنى أنّ موضوع حكم العقل بثبوت حق الطاعة للّه تبارك وتعالى على عباده بحسب إدراك العقل العملي وجدانا عبارة عن مطلق انكشاف الحكم الإلزامي من قبله تبارك وتعالى ، سواء كان انكشاف قطعيّا أو ظنّيا أو احتماليّا ، ما لم يصل الينا ترخيص ظاهريّ من قبله في ترك الاحتياط ، ولدينا بعض الوجوه لتنبيه هذا الوجدان يطول بذكرها المقام .
(٨)وليس هذا هدما للتزاحم الحفظي الذي نادى به اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) في تفسير الأحكام الظاهريّة ، فإنّه لا يعني التزاحم بين ملاك الحكم الإلزامي وملاك الإباحة الاقتضائية بلحاظ كون الأوّل داعيا إلى حكم العقل بالتنجيز والثاني داعيا إلى حكم العقل بالتعذير ـ بصورة مباشرة ـ حتى ينافي ما شرحناه ، وإنّما يعني التزاحم بينهما بلحاظ كون أحدهما حافزا للمولى إلى رفع موضوع حكم العقل بالتنجيز وتحقيق موضوع حكمه بالتعذير ، وكون الآخر حافزا له إلى عكس ذلك ، ومن الطبيعي في مثل هذا التزاحم أنّ المولى يتّبع الحافز الأقوى والأهمّ عنده ، فيتصرّف في موضوع حكم العقل بنحوٍ يحفظ به ذلك الحافز الأقوى والأهمّ ، وهذا لا يعني التزاحم بينهما في اقتضائهما للتنجيز والتعذير مباشرةً كما ذكرنا ، وإنّما يعني التزاحم بينهما في موقف المولى من حيث التصرّف في موضوع حكم العقل ، فيبقى حكم العقل تابعا لموضوعه على كلّ تقدير ، لا تابعا لتلك الملاكات مباشرةً . وتوضيح ذلك موكول إلى محلّه .