فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٤ - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ـ نظرة خاطفة آية اللّه الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض
بل نقصد بذلك أنّ الذهنية الاُصولية النظرية ترتبط بالذهنية الفقهية التطبيقية في تمام المراتب ، فإذا بلغت الذهنية الاُصولية درجة أكبر عمقا وأكثر دقة انعكست تماماً في الذهنية الفقهية وتطلبت في مجال التطبيق دقةً أكثر وعمقا أكبر .
ونظير ذلك علم الطب ، حيث يبحث فيه عن النظريات العامة وتكوين القواعد المشتركة على صعيد البحث النظري ، وفي مجال تطبيق تلك النظريات العامة على المريض يدرس الطبيب حالاته ومشاكله الداخلية والخارجية التي يمكن أن يكون مرضه مرتبطا بها ، وفي أثناء التطبيق تصادفه مشاكل جديدة وعوامل اُخرى بصورة مستمرة ، ولا يتمكن من معالجة المريض الناجم مرضه من المشاكل والعوامل المزبورة إلاّ بدراستها على أساس أنّ ما لديه من النظريات العامة لا ينطبق على المريض المذكور بلحاظ طبيعة مرضه .
ومن الطبيعي أنّ هذه المشاكل الجديدة والعوامل الاُخرى تدفع النظريات الطبية العامة خطوة إلى الأمام دقةً وعمقا واستيعابا أكثر ، لحلول تلك المشاكل والعوامل الجديدة .
ومن هنا تتطور النظريات الطبية العامة وتتوسع وتتعمق عصرا بعد عصر بشكل مستمر ، ومن البديهي أنّه كلما تطورت تلك النظريات وتوسعت دراستها وتعمقت بدقة أكبر وبالتفات أوسع وباستيعاب أكمل ؛ تطلبت في مجال التطبيق دراسة حالات المرضى بدقّة أكثر وعمق أكبر والتفات أوسع وأكمل استيعابا ، ومتى كانت النظريات الطبية نظريات بسيطة وبدائية تطلبت في مجال التطبيق دراسة حالات المرضى بنفس تلك البساطة والمستوى ؛ ولذا كان الطبيب في الأزمنة السابقة والقرون المتقدمة يكتفي في مجال التطبيق برؤية لسان المريض أو إحصاء نبضه أو ما شاكل ذلك .