مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٣٠ - المقام الثاني في ذكر ما رجّح به العمل بروايات الطهارة
الاستدلال على أربعة منها، مؤذناً بدعوى الانحصار فيها عجيب.
و أعجب من ذلك ادّعاؤه أنّ ما دلّ على النجاسة إنّما يدلّ بالمفهوم، مع أنّ صريح كلامه يدلّ على تحقّق ما دلّ بالمنطوق أيضاً؛ لأنّه أراد بالظاهرين الآخرين صحيحة الفضل بن عبد الملك و صحيحة عليّ بن جعفر (عليهما السلام) [١]، و دلالتهما بالمنطوق، على أنّ ما يدلّ بالمنطوق غير مقصور على ذلك أيضاً؛ لأنّ كثيراً من أخبار الانفعال يدلّ عليه بمنطوقه، كأخبار الولوغ، و رواية الإنائين، و رواية الميل، و غيرها من الأخبار المستفيضة المتضمّنة للأمر بإهراق الماء و صبّه بإدخال اليد القذرة في الإناء، أو بغسل الأواني التي وقع فيها ميتة، أو شرب منها نجس العين، و الروايات المتضمّنة للنهي عن الوضوء و الشرب من الإناء بوقوع قطرة دم أو خمر، إلى غير ذلك من الأخبار، و قد مرّت مفصّلة [٢].
و ثانياً: أنّ المفهوم إنّما لا يعارض المنطوق مع الاستواء في المرجّحات عدا الدلالة؛ فإنّه يجب ترجيح المنطوق حينئذٍ. أمّا إذا كان المفهوم محفوفاً بقرائن الصحّة، معتضداً بأمارات الوثوق، فالواجب ترجيحه قطعاً؛ لأنّ المدار في ترجيح أحد المتعارضين على الآخر إنّما هو بحصول أسباب الوثوق و الاعتماد في أحدهما دون الآخر، أو حصوله فيه أزيد من الآخر، و لا فرق في ذلك بين أن يكونا مفهومين، أو منطوقين، أو أحدهما مفهوماً و الآخر منطوقاً. و قد مرّ مفصّلًا أنّ الترجيح في أخبار الانفعال [٣].
و ناهيك في ذلك إطباق الأصحاب على الأخذ بها، و الإجماع المنقول عن جماعة
[١]. تقدّمتا في الصفحة ١٠٤ و ١٠٩.
[٢]. تقدّمت في ذكر أدلّة القول بانفعال القليل. راجع: الصفحة ٩١ و ما بعدها.
[٣]. راجع: الصفحة ٢١٠- ٢١٢.