مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٣٧ - المقام الثاني في ذكر ما رجّح به العمل بروايات الطهارة
في إفادتها العموم، فتخصيصها بالمعتاد من النجاسات يحتاج إلى دليل.
و أمّا ثانياً: فلعدم تأتّي التأويل المذكور في بعض أخبار الكرّ، كحسنة زرارة:
«إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شيء إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء» [١]؛ إذ لو حمل التنجيس هنا على التغيير لفسد الاستثناء، كما لا يخفى.
و أمّا ثالثاً: فلأنّه لو كان الكرّ معياراً لما [٢] لم يتغيّر بالنجاسات المعتادة غالباً، لزم بحكم المفهوم ثبوت التغيير بها لما [٣] نقص عنه و لو قليلًا، كدرهم مثلًا.
و البديهيّة تقضي بأنّ المقدار المؤثّر في تغيير الناقص عن الكرّ بدرهم، أو أقلّ، يقتضي ثبوت ذلك التأثير فيما بلغ كرّاً أيضاً، و ما لا يؤثّر في هذا لا يؤثّر في ذاك.
و أمّا رابعاً: فلأنّ النجاسات المعتاد ورودها، منها: ما لا دخل له في التغيير بوجه، و إن تكرّر وروده، كمباشرة نجس العين من الحيوانات، و ملاقاة المحلّ المتنجّس الخالي عن النجاسة.
و منها: ما له مدخليّة فيه، و لكن يختلف بالنظر إلى النجاسة الواردة كميّةً و كيفيّةً، و كذا المحلّ القابل صفاءً و كدورةً، و عذوبةً و ملوحةً، بل ربما يتّفق الاختلاف و التفاوت بالنسبة إلى الأُمور الخارجيّة، كاختلاف الهواء حرارةً و برودةً.
و بالجملة، فالنجاسات المعتادة ربما تؤثّر في مقدار الكرّ، و قد لا تؤثّر في الناقص عنه، و ليس ذلك حدّاً ينضبط و لا قاعدةً لا تنخرم، فلا يمكن جعله معياراً يعتمد عليه، و لا مداراً يستند في الأحكام الشرعيّة إليه.
و أمّا خامساً: فلأنّ تغيير الماء في أحد أوصافه الثلاثة أمر محسوس لا لبس فيه،
[١]. الكافي: ٣: ٢، باب الماء الذي لا ينجّسه شيء، الحديث ٣، التهذيب ١: ٤٥/ ١١٧، باب آداب الأحداث الموجبة للطّهارة، الحديث ٥٦، الاستبصار ١: ٦/ ٤، باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شيء، الحديث ٤، وسائل الشيعة ١: ١٤٠، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب ٣، الحديث ٩.
[٢]. في «د» و «ن»: لماء.
[٣]. في «ن»: إن.