مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٤١ - فضل العبادة في الكتاب و الروايات
استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه». قيل له: يا ابن رسول اللّٰه، فما معرفة اللّٰه؟ قال:
«معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته» [١].
و في الحديث فوائد كثيرة لمن نظر فيه بعين البصيرة و تناوله بيد غير قصيرة. و فيه تنبيه على الجمع بين قوله تعالى: «وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ» [٢] و قوله سبحانه: «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف» [٣]، و الجمع بينهما و بين قوله- عزّ و جلّ من قائل-: «وَ لٰا يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلّٰا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ» [٤]؛ فإنّ العبادة متوسّطة بين المعرفة و الرحمة، و هي مسبّبة عن الأُولى، و سبب للأُخرى، و إلى الأوّل يشير قوله: «فإذا عرفوه عبدوه» [٥] و إلى الثاني قوله: «فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه»، فجاز أن يكون كلٌّ من الثلاث هو الغاية للخلق، من دون تناقض في الحصر. و لمّا كانت الثالثة هي المطلوبة للناس كانت كالناسخة لغيرها. و هو المراد بالنسخ الوارد هنا، لا النسخ الحقيقي، فإنّه إنّما يكون في الشرائع دون الحقائق*.
*. جاء في حاشية «ل» و «د»: «و في قوله (عليه السلام): «إنّ اللّٰه لم يخلق العباد إلّا ليعرفوه»، إشارة إلى أنّ الغرض من خلق العباد أن يعرفوه، ليفوزوا بفوائد المعرفة، لا أن يعرف هو [٦] على أن يكون المقصود معروفيّته- كما يوهمه ظ
[١]. علل الشرائع: ٩، الباب ٩، الحديث ١، بتفاوت يسير، بحار الأنوار ٥: ٣١٢، كتاب العدل و المعاد، باب علّة خلق العباد و ...، الحديث ١، و ٢٣: ٨٣، كتاب الإمامة، باب وجوب معرفة الإمام، الحديث ٢٢ و ٤٠.
[٢]. الذاريات (٥١): ٥٦.
[٣]. حديث قدسي معروف في ألسنة المتصوّفة، ورد في كثير من الكتب العرفانيّة، منها: الفتوحات المكيّة ٢: ١١٢ و ٢٣٢، و جامع الأسرار: ١٠٢، و لكن لم نجده في المجاميع الروائيّة للشيعة و أهل السنّة.
[٤]. هود (١١): ١١٨- ١١٩.
[٥]. في جميع النسخ: «فإذا عبدوه عرفوه» و الصحيح ما أثبتناه.
[٦]. كذا في النسخ، و الظاهر أنّ الصحيح: أن يعرفوه.