المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٦٥ - ٣- (الفساد)
الشكل الرابع- النهي عن الوصف الملازم للعبادة: هل النهي عن الجهر بالقراءة يستوجب فساد أصل القراءة أم لا؟ و بعبارة أخرى: هل النهي عن الوصف الملازم يستوجب فسادا للموصوف؟ نعم. لما ذا؟
لأنه كيف يكون النهي عن الجهر بالقراءة و أكون مأمورا بأصل القراءة، هذا لا يمكن يجاب على هذا:
بأن يمكن أن يكون النهي متعلقا بالجهر دون أصل القراءة، فإن القراءة قد تقع بالجهر و قد تقع من دون جهر، و النهي تعلق بخصوص الجهر، و إذا انتفت هذه الصفة لا تنتفي القراءة إلا أننا قلنا بأن المراد من الجهر الجهر الملازم للقراءة، فبانتفاء الجهر تنتفي القراءة. فالنهي عن الجهر بالقراءة يقتضي فساد الوصف، و بفساد الوصف يقتضي فساد الموصوف.
الشكل الخامس- النهي عن الوصف الغير الملازم للعبادة: كالغصبية هل النهي عن الغصبية نهي عن نفس الصلاة أم لا؟ و في مقام الجواب نقول: إذا كان الوصف متحدا مع الصلاة و قلنا بامتناع اجتماع الأمر و النهي هنا النهي عن الوصف نهي عن الصلاة لما ذا؟ لأن الوصف بحسب الفرض متحد مع الصلاة، و معنى الامتناع هو: أن يكون المتعلق واحدا حقيقة، فالنهي عن الوصف نهي عن الموصوف.
نعم: إذا كان الوصف غير متحد أو متحدا و لكن قلنا بجواز الاجتماع؛ بمعنى: يوجد عنوانان فالنهي عن الوصف متعلق بعنوان غير النهي عن الموصوف. فالنهي عن الوصف ليس نهيا عن الموصوف.
و ما ذكرناه من دلالة النهي على الفساد و هو ما إذا كان متعلقه نفس الجزء أو الشرط أو الوصف.
خلاصة ما قاله صاحب الكفاية: إن النهي عن العبادة (الصلاة) على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مرة يفرض إن النهي عن أصل العبادة (الصلاة) مثل: «دعي الصلاة أيام أقرائك.» فأصل الصلاة في أيام الأقراء (أي: أيام الحيض) منهي عنها. هذا القسم الأوّل.
القسم الثاني: و تارة يفرض أن أصل العبادة ليس منهيا عنها بل المنهي عنه هو الجزء أو الشرط، و النهي عن الجزء يكون سببا إلى النهي عن أصل العبادة، فالنهي عن العبادة يكون سببا للنهي عن الجزء، فإذا نهى عن الجزء صار هذا سبب للنهي عن الكل، فيكون النهي حينئذ عن الكل نهيا حقيقيا لا أنه نهي بالعرض و المجاز.
القسم الثالث: و تارة يفرض أن النهي عن الجزء يكون سببا للنهي عن الصلاة لكن ليس نهيا حقيقيا بل نهيا بالعرض و المجاز، هذا من قبيل الجالس في السفينة، فإن السفينة تتحرك، و لكن ننسب الحركة إلى الجالس، فإن الجالس متحرك بالعرض و المجاز، و تسمى حركة السفينة واسطة في العروض. ففي الحقيقة: السفينة هي المتصفة حقيقة بالحركة، و ليس الجالس.
ملاحظة: النهي عن الجزء يسمى واسطة في الثبوت، و معنى واسطة في الثبوت أي: علة لتعلق النهي بالعبادة مثل: الاستبراد واسطة لثبوت الحمى أي: الاستبراد سبب و علة حقيقة لإصابتي بالحمى.
و تارة: النهي عن الجزء ليس سببا لاتصاف الصلاة حقيقة بل تتصف الصلاة به بالعرض و المجاز؛ يعني:
المنهي عنه حقيقة هو الجزء و أما نفس الصلاة بالمجاز و العرض، و هذا النهي عن الجزء يسمى واسطة في العروض.
فإذا اتضح هذا نذهب إلى القسم الثاني و الثالث، و أما القسم الأول فقد ذكر لا لأجل إنه محل الكلام لأن القسم الأول مسلم بأنه مفسد للعبادة. إذا: الذي يدخل في محل الكلام هو القسم الثاني و الثالث.