المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٥ - ٣- العقل العملي و النظري
الثّالث من الحسن و القبح- هو (العقل العملي) في مقابل (العقل النظري).
و ليس الاختلاف بين العقلين إلا بالاختلاف بين المدركات، فإن كان المدرك- بالفتح- مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل: حسن العدل و قبح الظلم فيسمى إدراكه (عقلا عمليا) (١)، و إن كان المدرك مما ينبغي أن يعلم مثل قولهم: «الكل أعظم من الجزء» الذي لا علاقة له بالعمل، فيسمى إدراكه (عقلا نظريا) (٢).
و معنى حكم العقل- على هذا- ليس إلا إدراك أن الشيء مما ينبغي أن يفعل أو يترك. و ليس للعقل إنشاء بعث و زجر و لا أمر و نهي إلا بمعنى أن هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل، أي: يكون سببا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل و فعل ما ينبغي.
إذا: المراد من الأحكام العقلية هي مدركات العقل العملي و آراؤه.
و من هنا تعرف أن المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الأوّل؛ إن المراد به هو العقل النظري، لأن الكمال و النقص مما ينبغي أن يعلم، لا مما ينبغي أن يعمل.
نعم إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه، فإنه يدرك معه أنه ينبغي فعله أو تركه فيستعين العقل العملي بالعقل النظري. أو فقل: يحصل العقل العملي فعلا بعد حصول العقل النظري.
و كذا المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الثّاني هو العقل النظري، لأن الملاءمة و عدمها أو المصلحة و المفسدة مما ينبغي أن يعلم، و يستتبع ذلك إدراك أنه ينبغي الفعل أو الترك على طبق ما علم (٣).
العقل العملي و النظري: (١) كحكم العقل بأن الصدق ينبغي (أي: حسن) فعله، و الكذب لا ينبغي (أي: قبيح) فعله، إن هذا الحكم يرتبط كما هو واضح بحيثية العمل و يسمى بالحكم العقلي العملي.
(٢) كحكم العقل باستحالة اجتماع النقيضين، أو استحالة الدور و التسلسل، أو إمكان اجتماع المتخالفين، فإن استحالة اجتماع النقيضين أمر ثابت في عالم الواقع و لا ارتباط له بحيثية العمل، و العقل بحكمه هذا يريد الكشف عن حقيقة ثابتة في الواقع لا ارتباط لها بحيثية العمل. و يسمى مثل هذا الحكم بالحكم العقلي النظري.
(٣) وقع الكلام بين الأعلام في: إن صفة الحسن و القبح- المعبر عنهما بجملة ينبغي فعله أو لا ينبغي- هل هي من الأمور الواقعية الثابتة في عالم الواقع أو من الأحكام العقلائية؟ أي: أن هناك رأي يقول:
أن الحسن و القبح هما من الأحكام العقلائية بمعنى: أن الله سبحانه بعد أن خلق العقلاء و اتفقوا على أن الصدق ينبغي فعله ثبتت بعد ذلك صفة الحسن للصدق، و عند ما اتفقوا على أن الكذب لا ينبغي