المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧٤ - تمهيد
و للتعبدي و التوصلي تعريف آخر كان مشهورا عند القدماء. و هو أن التوصلي:
(ما كان الداعي للأمر به معلوما)، و في قباله التعبدي و هو: (ما لم يعلم الغرض منه).
و إنما سمي تعبديا: لأن الغرض الداعي للمأمور ليس إلا التعبد بأمر المولى فقط. و لكن التعريف غير صحيح إلا إذا أريد به اصطلاح ثان للتعبدي و التوصلي، فيراد بالتعبد:
التسليم لله تعالى فيما أمر به و إن كان المأمور به توصليا بالمعنى الأوّل، كما يقولون مثلا: (نعمل هذا تعبدا) و يقولون: (نعمل هذا من باب التعبد) أي: نعمل هذا من باب التسليم لأمر الله و إن لم نعلم المصلحة فيه.
الوجوب هل لا بدّ من وجودهما- قبل تشريع الوجوب- بالوجود الخارجي أو بالوجود التصوري؟ أي:
هل لا بدّ من فرض تحقق الحج و الاستطاعة و بعد ذلك يشرع المولى الوجوب أو أن اللازم تصور المولى لهما في ذهنه أولا ثم تشريع الوجوب بعد ذلك؟ و الصحيح هو الاحتمال الثاني أي: لا بدّ من تصورهما أولا ثم تشريع الوجوب فإنه إذا تصور المولى الحج و الاستطاعة وجّه الوجوب بعد ذلك إلى الحج المشروط بالاستطاعة، و الاحتمال الأول باطل جزما، إذ كيف يحتمل لابدية وجود الحج أولا ثم صب الوجوب عليه!! إنه غير محتمل، إذ لازمه بقاء المولى منتظرا المكلف متى يأتي بالحج لكي يصب عليه الوجوب، و إذا لم يأت به يكون الوجوب منتفيا.
هذا إضافة إلى لزوم عدم عصيان المكلف لو ترك الحج، إذ قبل أن يأتي به لا وجوب لكي يكون عاصيا له، إذا: هذا الاحتمال باطل و الأمر بالعكس تماما، فالوجوب لا بدّ من افتراضه أولا، و بعد ذلك يوجد الحج خارجا، فإن المكلف إنما يأتي بالحج لأجل استقرار الوجوب عليه أولا، فتحقق الحج خارجا هو من نتائج و ثمرات الوجوب و من الأمور المسببة عنه من دون أن يكون هو المحل له، و إنما المحل هو الحج بوجوده التصوري، فالمولى إذا تصور الحج صب الوجوب عليه و بعد صبه عليه يقوم المكلف بإيجاده خارجا.
و الخلاصة: أن تشريع الوجوب و إنشاءه يتوقف على تصور الحج و الاستطاعة- التي تسمى بالموضوع- خارجا، فما لم تتحقق خارجا و تصير فعلية لا يصير الوجوب فعليا بل يبقى إنشائيا.
و من كل هذا البيان سنخرج بهذه النتيجة و هي: أن الحكم على مستوى الجعل و الإنشاء يتوقف على تصور كل من الحج و الاستطاعة أي: على تصور كل من المتعلق و الموضوع، و أما على مستوى المجعول- أي: على مستوى الحكم الفعلي- فهو يتوقف على تحقق الموضوع خارجا أي: تحقق الاستطاعة، و من هنا قيل: أن فعلية الحكم منوطة بفعلية موضوعه بخلاف تشريعه و جعله فإنه منوط بتصور موضوعه و متعلقه، و بهذا تنتهي المقدمة بمطالبها الثلاثة.
و بعد هذا نعود إلى الجواب و حاصله: أن البرهان على استحالة أخذ قصد الامتثال يرجع إلى لزوم صيرورة قصد الامتثال متقدما و متأخرا و هو باطل، و لكنا نقول: ليس هو باطلا، إذ تأخر قصد الامتثال عن الأمر و إن كان أمرا مسلما بيد أن المتأخر عن الأمر هو قصد الأمر بوجوده الخارجي، أي: إن