المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٤ - ٣- دلالة لفظ الأمر على الوجوب (١)
الترك- أمر عدمي، و الأمر العدمي ليس شيئا حتى يحتاج إلى بيان بل هو عدم شيء، و بكلمة أخرى:
الأمر العدمي ليس شيئا زائدا على الجزء الأول المشترك- إذ لو كان زيادة لما كان عدما بل وجودا- فلا يحتاج إلى بيان زائد.
و يمكن صياغة المقدمة الثانية بعبارة أخرى بأن نقول: إذا كان عندنا كلام- مثل: أمر اغتسل- يدل على حيثية مشتركة هي طلب الفعل، و دار أمرها بين أن يكون المقصود منها الطلب الوجوبي الذي هو حقيقة مائزها أمر عدمي، و بين أن يكون المقصود منها الطلب الاستحبابي الذي هو حقيقة مائزها أمر وجودي تعين الحمل على الطلب الوجوبي، لأن الحيثية الأولى للطلب الوجوبي و هي أصل طلب الفعل يفي بها أمر اغتسل مثلا، و الحيثية الثانية لا تحتاج إلى بيان زائد لكونها أمرا عدميا. هذه حصيلة البيان الثاني.
و يرده: إن عدم الترخيص في الترك الذي هو الحيثية الثانية في الوجوب و إن كان أمرا عدميا إلا أنه ليس كل أمر عدمي لا يراه العرف زيادة بل بعض الأعدام يراها العرف زيادة تحتاج إلى بيان كما هو الحال في عدم الترخيص في المقام، فإن العرف يراه شيئا آخر زائدا على طلب الفعل و بحاجة إلى بيان زائد؛ بشهادة أن العرف حينما نسأله عن حقيقة الوجوب يجيبنا: أنه عبارة عن جزءين: طلب الفعل و عدم الترخيص في الترك، فلو كان عدم الترخيص ليس شيئا زائدا على طلب الفعل فمن المناسب تفسير الوجوب بطلب الفعل فقط.
هذا مضافا إلى أن عدم الترخيص لو لم يكن شيئا زائدا و مغايرا لطلب الفعل يلزم كون النسبة بين الوجوب و الاستحباب كنسبة المركب من جزء واحد إلى المركب من جزءين أي: كنسبة الأقل إلى الأكثر- كالحيوان إلى الإنسان فإنه يعد عرفا أقل و الإنسان أكثر لتركبه من حيوانية و ناطقية- و الحال:
أن ذلك مخالف للوجدان العرفي، فإنه يرى النسبة بين الوجوب و الاستحباب نسبة المباين إلى المباين الأقل إلى الأكثر.
البيان الثالث: أن صيغة الأمر تدل على الإرسال، فصيغة ادرس مثلا تدل على الإرسال للدرس و الدفع إليه، نظير إرسال الكرة للهدف، فكلاهما إرسال إلا أن هذا إرسال إلى الدرس و ذلك إرسال إلى الهدف.
ثم أن الإرسال يلازم سدّ باب العودة و المخالفة، فكما أن مرسل الكرة بإرسال لها يكون قد سد عليها باب الرجوع و العودة- و إلا لما كان إرساله إرسالا- فكذلك الإرسال إلى الدرس يلازم سدّ باب المخالفة و عدم التحرك إلى الدرس. و بعد هذا نقول: إن الإرسال الملازم لسد باب المخالفة يتناسب مع أي حكم فهل يتناسب مع الوجوب أو يتناسب مع الاستحباب؟ لا إشكال في تناسبه مع الوجوب، إذ في الوجوب يكون باب المخالفة مسدودا بخلافه في الاستحباب فإنه ليس مسدودا.
و يبقى علينا بعد هذا أن نتعرف على الطريق لإثبات أن الحكم المقصود للمولى هو الوجوب دون الاستحباب، فهل أن مناسبة الإرسال للوجوب تكفي وحدها لتعيّن الوجوب أو لا؟ و الجواب: إن الإطلاق هو الذي يعين كون المقصود للمولى هو الوجوب دون الاستحباب، إذ لو كان مراد المولى الحكم الذي لا يتناسب مع الإرسال لزمه بيان ذلك، فسكوته عن بيانه دليل على أن مقصوده هو