المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٤٠ - ٢- معنى التبعية في الوجوب الغيري
و الظاهر: أن السبب في اشتهار معلولية الوجوب الغيري هو: أن شوق الآمر للمقدمة هو الذي يكون منبعثا من الشوق إلى ذي المقدمة، لأن الإنسان إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق بالتبع إلى فعل كل ما يتوقف عليه. و لكن الشوق إلى فعل الشيء من الغير ليس هو الوجوب، و إنما الشوق إلى فعل الغير يدفع الآمر إلى الأمر به إذا لم يحصل ما يمنع من الأمر به، فإذا صدر منه الأمر و هو أهل له انتزع منه الوجوب.
و الحاصل: ليس الوجوب الغيري معلولا للوجوب النفسي في ذي المقدمة، و لا ينتهي إليه في سلسلة العلل، و إنما ينتهي الوجوب الغيري في سلسلة علله إلى الشوق إلى ذي المقدمة (١) إذا لم يكن هناك مانع لدى الآمر من الأمر بالمقدمة، لأن الشوق- على كل حال- ليس علة تامة إلى فعل ما يشتاق إليه. فتذكر هذا فإنه سينفعك في وجوب المقدمة المفوتة و في أصل وجوب المقدمة، فإنه بهذا البيان سيتضح كيف يمكن فرض وجوب المقدمة المفوتة قبل وجوب ذيها، و بهذا البيان سيتضح أيضا كيف إن المقدمة مطلقا ليست واجبة بالوجوب المولوي.
٤- أن يكون معنى التبعية هو ترشح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي، و لكن لا بمعنى أنه معلول له، بل بمعنى أن الباعث للوجوب الغيري- على تقدير القول به- هو الواجب النفسي باعتبار أن الأمر بالمقدمة و البعث نحوها إنما هو لغاية التوصل إلى ذيها الواجب و تحصيله، فيكون وجوبها وصلة و طريقا إلى تحصيل ذيها، و لو لا أن ذيها مرادا للمولى لما أوجب المقدمة. و يشير إلى هذا المعنى من التبعية تعريفهم للواجب الغيري بأنه «ما وجب لواجب آخر». أي: لغاية واجب آخر و لغرض تحصيله و التوصل إليه، فيكون الغرض من وجوب المقدمة على تقدير القول به: هو تحصيل ذيها الواجب.
و هذا المعنى هو الذي ينبغي أن يكون معنى التبعية المقصودة في الوجوب الغيري.
و يلزمها أن يكون الوجوب الغيري تابعا لوجوبها إطلاقا و اشتراطا.
(١) و بعبارة أخرى: المقصود من سلسلة العلل هي: التي تكون علة و معلولا في نفس الوقت، فوجوب المقدمة معلول لوجوب ذيها، و وجوب ذيها معلول للشوق، فبالتالي: الشوق هو العلة لوجوب ذيها و وجوب المقدمة، فلو لا الشوق لما وجد وجوب للمقدمة.