المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٩ - ٨- المقدمات المفوتة
لا بد منه و لا يصح أن يقع غير ذلك.
و لا تستغرب ذلك فإن هذا أمر مطرد حتى بالنسبة إلى أفعال الإنسان نفسه، فإنه إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق إلى مقدماته تبعا، و لما كانت المقدمات متقدمة بالوجود زمانا على ذيها، فإن الشوق إلى المقدمات يشتد حتى يبلغ درجة الإرادة الحتمية المحركة للعضلات فيفعلها، مع أن ذا المقدمة لم يحن وقته بعد، و لم تحصل له الإرادة الحتمية المحركة للعضلات، و إنما يمكن أن تحصل له الإرادة الحتمية إذا حان وقته بعد طي المقدمات.
فإرادة الفاعل التكوينية للمقدمة متقدمة زمانا على إرادة ذيها، و على قياسها الإرادة التشريعية، فلا بد أن تحصل للمقدمة المتقدمة زمانا قبل أن تحصل لذيها المتأخر زمانا، فيتقدم الوجوب الفعلي للمقدمة على الوجوب الفعلي لذيها زمانا، على العكس مما اشتهر، و لا محذور فيه بل هو المتعين (١).
و هذا حال كل متقدم بالنسبة إلى المتأخر، فإن الشوق يصير شيئا فشيئا قصدا و إرادة، كما في الأفعال التدريجية الوجود.
و قد تقدم معنى تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها فلا نعيد، و قلنا: إنه ليس معناه معلوليته لوجوب ذي المقدمة و تبعيته له وجودا كما اشتهر على لسان الأصوليين.
(فإن قلت): إن وجوب المقدمة- كما سبق- تابع لوجوب ذي المقدمة إطلاقا و اشتراطا، و لا شك في: أن الوقت- على الرأي المعروف- شرط لوجوب ذي المقدمة، فيجب أن يكون أيضا وجوب المقدمة مشروطا به، قضاء لحق التبعية.
(قلت): إن الوقت على التحقيق ليس شرطا للوجوب بمعنى: أنه دخيل في مصلحة الأمر كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، و إن كان دخيلا في مصلحة المأمور به (٢)، و لكنه لا يتحقق البعث قبله (٣)، فلا بد أن يؤخذ (٤) مفروض الوجود
(١) الإرادة التكوينية هي: عبارة عما إذا قام بالفعل نفس المريد و نفس المشتاق. و هذه الإرادة تختلف عن الإرادة التشريعية؛ لأن الإرادة التشريعية هي: عبارة عما إذا اشتاق الفرد إلى شيء ما و أمر المولى لتحققه.
(٢) أي: إن كان الوقت دخيلا في الواجب أي: قيدا للواجب.
(٣) أي: لا يتحقق البعث نحو ذي المقدمة قبل الوقت.
(٤) فاعل يؤخذ هو الوقت.